لم يعد استمرار العدو السعودي في سياسة الحصار والضغط على اليمن بلا كلفة، فالمعادلة التي أرادت الرياض فرضها على الشعب اليمني بدأت ترتد عليها من البوابة الأكثر حساسية في اقتصادها، النفط وطرق تصديره، ومع استمرار التعنت السعودي وعدم الاستجابة لمطالب فك الحصار، تتسع تداعيات معادلة «الحصار بالحصار» التي تفرضها القوات المسلحة اليمنية، لتضع شرايين الطاقة السعودية أمام ضغوط متصاعدة، لا تقتصر على المنشآت النفطية، وإنما تمتد إلى الناقلات والموانئ وطرق الملاحة والأسواق التي تعتمد عليها الرياض لتصريف منتجاتها، إنها، باختصار، كلفة سياسية واقتصادية لسياسة الإصرار على الحصار.
أعده للنشر | طارق الحمامي
العدو السعودي يدفع ثمن التعنت
أحد أكثر المؤشرات دلالة يتمثل في تراجع صادرات الديزل من مصفاة جازان إلى إفريقيا إلى الصفر خلال أغسطس 2026، وفق بيانات شركة «كبلر» التي نقلتها وكالة رويترز، بعدما بلغت نحو 163 ألف طن في يوليو، والأهمية هنا لا تكمن في الرقم وحده، بل في الرسالة التي يحملها: الاضطراب لم يعد مجرد تهديد محتمل للملاحة، بل بدأ ينعكس على حركة المنتجات النفطية السعودية وقدرتها على الوصول إلى المشترين، ومع تعرض منشآت الطاقة وممرات الإمداد للمخاطر، تجد الرياض نفسها أمام معادلة لم تكن تريدها، كلما طال أمد الحصار على اليمن، اتسعت كلفة حماية وتصدير النفط السعودي.
إفريقيا .. الفراغ الذي تتركه السعودية يملؤه المنافسون
لم تنتظر الأسواق الإفريقية طويلًا، فتراجع الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط دفع مشترين أفارقة إلى البحث عن مصادر بديلة، بينما ارتفعت صادرات الديزل الآسيوية إلى إفريقيا خلال أغسطس، بحسب البيانات التي أوردتها رويترز، وهنا تبدأ الخسارة الحقيقية في تجاوز قيمة الشحنة التي لم تُصدَّر، فالأسواق العالمية لا تنتظر المورد المتعثر إلى الأبد، والمشتري الذي يجد مصدرًا آخر يمكن أن يعيد ترتيب عقوده ومساراته التجارية، وهكذا، فإن العدو السعودي لا يواجه فقط احتمال خسارة عائدات شحنات محددة، وإنما يواجه خطر تآكل موقعه في بعض الأسواق لصالح منافسين آخرين.
من الحصار على اليمن إلى كلفة على الاقتصاد السعودي
أرادت الرياض أن يكون الحصار وسيلة لإخضاع اليمن، لكن تطورات البحر الأحمر أوجدت معادلة معاكسة، الحصار نفسه أصبح عاملًا يرفع كلفة الحرب على الطرف الذي فرضه، فكل اضطراب في الطريق البحري يعني زيادة في كلفة التأمين والشحن والوقود، وتأخيرًا في وصول المنتجات، وحاجة إلى مسارات أطول وأكثر كلفة، وإذا اضطرت الناقلات إلى تجنب باب المندب والبحر الأحمر، فإن البدائل البحرية لا تلغي المشكلة، بل تنقلها إلى فاتورة النقل، وهكذا يصبح النفط السعودي أمام سلسلة من التكاليف المتراكمة، للانتاج والتكرير والتخزين والنقل والتأمين ومسار بحري أطول وصولا إلى السوق، وكل حلقة إضافية في هذه السلسلة تعني تكلفة إضافية.
الالتفاف على الضغط.. هل تستطيع الرياض كسر المعادلة؟
يمتلك العدو السعودي بنية نفطية ضخمة وخيارات متعددة للتصدير، لكن هذه القدرات لا تمنحه حصانة مطلقة، فحتى إذا أمكن نقل النفط إلى ميناء بديل، يبقى المنتج بحاجة إلى الوصول إلى المستهلك النهائي، وتظل الناقلات والأسواق والتأمين جزءًا أساسيًا من العملية، ولهذا فإن محاولات الالتفاف على الضغط لا تعني بالضرورة إلغاءه، بل قد تعني إعادة توزيع تكلفته، وكلما طالت المسارات، ارتفعت الفاتورة، وكلما ارتفعت المخاطر، ارتفعت كلفة التأمين، وكلما تأخرت الشحنات، ازدادت احتمالات بحث المشترين عن بدائل.
ليست مسألة انهيار فقط .. بل استنزاف متراكم
المملكة تمتلك موارد مالية وأصولًا سيادية وقدرات نفطية ضخمة قد تسمح لها بامتصاص الصدمات بعض الوقت، لكن القوة المالية لا تجعل الخسائر غير موجودة، ولا تجعل الاستنزاف بلا نهاية، فالخطر الحقيقي يكمن في تراكم الكلفة مع الزمن، وإذا استمر الضغط على الصادرات، وارتفعت كلفة النقل والتأمين، وخسرت السعودية جزءًا من أسواقها لمصلحة منافسين، فإن فاتورة التعنت لن تبقى محصورة في ميزانية قطاع النفط، بل يمكن أن تمتد إلى الإيرادات الحكومية والاستثمارات وخطط الإنفاق المرتبطة برؤية 2030.
المعادلة التي أرادتها الرياض تنقلب عليها
لقد سعت السعودية طوال سنوات إلى استخدام ثقلها الاقتصادي والعسكري لفرض واقع سياسي على اليمن، لكن معادلة الحصار بالحصار، تضع الرياض أمام واقع مختلف، أنه لا يمكن فرض الحصار على شعب كامل دون أن تكون للحصار كلفة على من يفرضه، فاليمن، بحكم موقعه الجغرافي على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، يمتلك قدرة على التأثير في حسابات الملاحة والطاقة، الأمر الذي يجعل استمرار العدوان والحصار قرارًا له تبعات تتجاوز الحدود اليمنية، وكلما أصرت الرياض على إبقاء الحصار، فإنها لا تواجه فقط ردًا عسكريًا؛ بل تواجه فاتورة اقتصادية متصاعدة.
ختاما ..
المؤشرات الأخيرة لا تقول إن النفط السعودي انهار، لكنها تقول شيئًا أكثر أهمية، إن الوصول إلى الأسواق لم يعد مضمونًا بالكلفة والسهولة اللتين اعتادت عليهما الرياض، من جازان إلى البحر الأحمر، ومن الناقلات إلى الأسواق الإفريقية، تتشكل حلقات ضغط متتابعة تجعل النفط السعودي يدفع جزءًا متزايدًا من ثمن السياسة التي تصر الرياض على مواصلتها. وهكذا تتحول معادلة «الحصار بالحصار» إلى رسالة اقتصادية واضحة، إذا اختارت الرياض استمرار حصار اليمن، فعليها أن تتحمل تبعات حصار شرايينها الاقتصادية، فالخيار أمامها لم يعد بلا ثمن؛ وكل يوم يستمر فيه التعنت وعدم الاستجابة لمطالب فك الحصار يعني، وفق هذه المعادلة، كلفة أكبر على النفط، وكلفة أعلى على النقل، ومخاطر أوسع على الأسواق.
الحصار الذي أرادته الرياض خنقًا لليمن .. يعود إليها ضغطًا على شرايين النفط.
يمانيون .