الحرب الاقتصادية على اليمن.. تقرير حقوقي يوثق تدمير الاقتصاد الوطني واستخدام معيشة اليمنيين أداةً للابتزاز والضغط

الحرب الاقتصادية على اليمن.. تقرير حقوقي يوثق تدمير الاقتصاد الوطني واستخدام معيشة اليمنيين أداةً للابتزاز والضغط


كشف تقرير حقوقي جديد عن حجم الكارثة الاقتصادية والإنسانية التي تعرض لها اليمن نتيجة الحرب والحصار المفروضين منذ مارس 2015، موثقًا الحرب الاقتصادية التي استهدفت الاقتصاد الوطني ومقومات الحياة الأساسية، وحولت لقمة عيش ملايين اليمنيين إلى أداة ضغط سياسي، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني وقواعد حماية المدنيين.

وجاء ذلك خلال مؤتمر صحفي عقدته منظمة إنسان للحقوق والحريات في العاصمة صنعاء، لإطلاق تقريرها الموسع بعنوان “الحرب الاقتصادية على اليمن: عدم تحييد الاقتصاد واستخدام اليمنيين وسيلة ضغط”، والذي يرصد ويوثق التداعيات الاقتصادية والإنسانية للإجراءات التي فرضها تحالف العدوان الأمريكي السعودي الإماراتي منذ السادس والعشرين من مارس 2015 وحتى اليوم، مستندًا إلى سنوات من الرصد والتوثيق والمتابعة.

الاقتصاد اليمني.. ساحة حرب مفتوحة

ويخلص التقرير إلى أن الحرب الاقتصادية لم تكن مجرد نتيجة جانبية للعدوان، بل مثلت أحد أخطر مساراته، عبر استهداف البنية الاقتصادية بصورة مباشرة، وفرض إجراءات ممنهجة هدفت إلى إنهاك الدولة والمجتمع، وتعطيل مصادر الدخل والإنتاج، وإضعاف قدرة اليمنيين على الصمود.

وأوضح أن السياسات الاقتصادية المفروضة تجاوزت الخسائر المالية المباشرة، لتطال الحقوق الأساسية لملايين المدنيين، وأسهمت في توسيع دائرة الفقر والبطالة، وتعميق انعدام الأمن الغذائي، وإضعاف مؤسسات الدولة، وحرمان ملايين الأسر من مصادر رزقها.

وأكد التقرير أن استخدام الأدوات الاقتصادية للضغط على المدنيين، وعدم تحييد الاقتصاد عن النزاع، يمثلان انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ويستوجبان تحقيقات مستقلة وشفافة، ومساءلة المسؤولين عنها، وجبر الضرر للضحايا، ورفع جميع القيود المفروضة على الاقتصاد اليمني.

خسائر تتجاوز تريليون دولار

وخلال المؤتمر الصحفي، أكد رئيس الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان علي تيسير أن العدوان الأمريكي والسعودي والإماراتي، المدعوم صهيونيًا، ارتكب على مدى سنوات جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب اليمني، في ظل صمت دولي وأممي مريب، رغم اتساع حجم الانتهاكات واستمرارها لما يقارب اثني عشر عامًا.

وأوضح أن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن العدوان تُقدر، وفق الإحصاءات الأولية، بنحو تريليون و131 مليار دولار، مشيرًا إلى أن الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان تعمل على إعداد تقرير أكثر شمولًا ودقة لتوثيق حجم الأضرار وإيصال رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي بأن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم.

وأشار إلى أن الغارات استهدفت بصورة ممنهجة المستشفيات والأسواق والمدارس والجامعات والطرق والجسور والمنشآت المدنية والخدمية، بل وحتى إشارات المرور، في سياسة استهدفت كل ما يتصل بحياة الإنسان اليمني.

أكثر من ألف منشأة اقتصادية دُمّرت

ويبرز التقرير حجم الدمار الذي لحق بالاقتصاد الوطني، موثقًا تدمير أكثر من 1000 منشأة اقتصادية وإنتاجية، إضافة إلى استهداف المطارات والموانئ والطرق والجسور والمنشآت الصناعية والزراعية ومنظومات الإمداد الغذائي، الأمر الذي أدى إلى شلل واسع في النشاط الاقتصادي وتعطيل سلاسل الإنتاج والتوريد.

وأوضح أن القيود المفروضة على المنافذ الجوية والبحرية والبرية تسببت في اضطراب حاد في سلاسل الإمداد، وارتفاع كبير في أسعار الغذاء والوقود والأدوية، وفاقمت الأوضاع المعيشية والإنسانية، في ظل استمرار القيود على حركة التجارة والاستيراد.

الحرب على البنك المركزي والقطاع المصرفي

ورصد التقرير التداعيات الخطيرة لنقل وظائف البنك المركزي اليمني إلى مدينة عدن، بدعم مباشر من تحالف العدوان، مبينًا أن هذه الخطوة أحدثت اضطرابات نقدية ومالية واسعة، كان أبرزها تعثر صرف مرتبات مئات الآلاف من موظفي الدولة، وانعكاس ذلك على ملايين الأسر اليمنية.

كما وثق تأثير القيود المفروضة على القطاع المصرفي والتحويلات المالية، والتي أسهمت في إعاقة النشاط التجاري والاستثماري، وتعميق الأزمة الاقتصادية، وزيادة معاناة المواطنين، وإضعاف قدرة الأسواق المحلية على التعافي.

وأكد التقرير أن هذه الإجراءات مجتمعة أدت إلى ارتفاع غير مسبوق في معدلات الفقر والبطالة، واتساع رقعة الاحتياج الإنساني، وزيادة اعتماد ملايين اليمنيين على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.

دعوات لتحقيق دولي ومساءلة المسؤولين

وفي ختام التقرير، دعت منظمة إنسان إلى فتح تحقيقات دولية مستقلة وشفافة في الانتهاكات الاقتصادية وآثارها الإنسانية، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، وتعويض الضحايا والمتضررين، والعمل على إزالة جميع القيود التي تعيق تعافي الاقتصاد اليمني، وتمكين السكان من ممارسة حقوقهم الأساسية بعيدًا عن الضغوط السياسية والعسكرية.

وأكد التقرير أن تحييد الاقتصاد عن الصراعات المسلحة يعد التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا، وأن استخدام معيشة المدنيين وسيلةً للضغط السياسي يمثل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي، ويقوض فرص السلام والاستقرار.

“إنسان”: التقرير ثمرة سنوات من الرصد والتوثيق

من جانبها، أكدت نائب رئيس منظمة إنسان للحقوق والحريات أمل المأخذي أن التقرير يمثل حصيلة سنوات طويلة من العمل الميداني والرصد والتوثيق، ويعكس إيمان المنظمة بأن العدالة لا تسقط بالتقادم، وأن توثيق الجرائم الاقتصادية يمثل خطوة أساسية في مسار الإنصاف والمساءلة.

وأوضحت أن أهمية التقرير لا تقتصر على كشف الانتهاكات القانونية التي ارتكبها تحالف العدوان، بل تكمن أيضًا في تذكير المجتمع الدولي بأن الاقتصاد في زمن الحروب ليس أداة للمساومة أو الابتزاز السياسي، وأن اقتصاد المدنيين وخدماتهم الأساسية يجب أن يبقى بمنأى عن الصراعات، باعتباره شريان الحياة لملايين البشر.

كما دعت وسائل الإعلام وقادة الرأي العام والمنظمات الحقوقية إلى نقل ما تضمنه التقرير من حقائق ووثائق، وتسليط الضوء على الآثار الكارثية للحرب الاقتصادية التي تعرض لها اليمن، بما يسهم في تحريك الضمير الإنساني، ودعم جهود المساءلة وإنصاف الضحايا.

انتهاكات موازية في المحافظات المحتلة

وفي سياق المؤتمر، كشف رئيس الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان عن وجود 30 سجنًا سريًا في عدد من المحافظات الواقعة تحت الاحتلال، بينها عدن ولحج وأبين والضالع وشبوة ومأرب وحضرموت وسقطرى، مؤكدًا أن هذه السجون تشهد عمليات تعذيب بحق كل من يعارض العدوان أو ينتقد سياسات الاحتلال.

وأشار إلى أن ما يتعرض له اليمن يعكس وجود مشروع عدواني يستهدف البلاد بمختلف الوسائل، عسكريًا واقتصاديًا وحقوقيًا، مؤكدًا أن الجرائم المرتكبة بحق الشعب اليمني، سواء عبر الحرب العسكرية أو الحرب الاقتصادية، ستظل موثقة، ولن تسقط بالتقادم، حتى ينال مرتكبوها المساءلة والعقاب.

موقع ٢١ سبتمبر.