التحالف البحري السعودي الجديد.. هل يعكس تحوّلًا في موازين القوة أم استمرارًا لمحاولات احتواء الأزمة؟


يشهد البحر الأحمر تطورات متسارعة أعادت رسم كثير من معادلات الأمن الإقليمي، في ظل استمرار التوترات المرتبطة بالملاحة الدولية وتداخل المصالح الإقليمية والدولية، وفي هذا السياق، برز إعلان العدو السعودي عن السعي لتشكيل تحالف بحري جديد باعتباره خطوة أثارت نقاشات عالمية واسعة حول دوافعه وفرص نجاحه، خصوصًا في ضوء التجارب السابقة التي شهدتها المنطقة.

 

أعده للنشر | طارق الحمامي

 

 

إعادة توزيع الأدوار في المشهد الإقليمي

يرى مراقبون أن التحركات الأمريكية خلال السنوات الماضية ارتبطت بإعادة صياغة ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة ضمن تصورات أوسع للأمن الإقليمي، تقوم على توزيع الأدوار بين الحلفاء والشركاء، ووفق هذا المنظور، برز الدور السعودي باعتباره أحد المحاور الرئيسية في إدارة ملفات البحر الأحمر واليمن، إلا أن استمرار الصراع وتعقيداته فرض واقعًا مختلفًا عن التصورات الأولية، ويذهب محللون إلى أن التطورات الميدانية أظهرت أن تحقيق الأهداف المعلنة أصبح أكثر تعقيدًا، مع استمرار العمليات العسكرية وتزايد التحديات الأمنية، الأمر الذي جعل كلفة المواجهة أعلى من التقديرات السابقة، وأوجد حاجة متكررة لإعادة تقييم الاستراتيجيات المعتمدة.

 

 

من التحالفات العسكرية الكبرى إلى التحالفات المحدودة

عند مقارنة المشهد الحالي بما شهدته المنطقة منذ عام 2015، تبدو الفوارق واضحة في طبيعة التحالفات وحجم المشاركة الدولية، ففي بداية العدوان على اليمن تشكل تحالف عسكري واسع ضم عددًا كبيرًا من الدول، مدعومًا بإمكانات جوية وبحرية ولوجستية ضخمة، بينما تبدو المبادرات الحالية أكثر محدودية من حيث حجم المشاركة وطبيعة الالتزامات العسكرية، وهو ما يفسره بعض الخبراء بتغير حسابات القوى الدولية بعد سنوات من العدوان والحصار، ويرى هؤلاء أن تراجع الحماسة الدولية للمشاركة العسكرية المباشرة يعكس إدراكًا متزايدًا لتعقيد البيئة العملياتية في البحر الأحمر، وصعوبة تحقيق نتائج حاسمة بالوسائل العسكرية وحدها.

 

التحالف البحري الجديد .. رسائل سياسية أكثر من كونه قوة عملياتية

تسلط تقارير إعلامية غربية متخصصة الضوء على التحديات التي تواجه فكرة التحالف البحري الجديد، فقد أشارت مجلة لويدز ليست إلى أن التحالف المقترح، بصورته الحالية، يبدو أقرب إلى رسالة سياسية منه إلى قوة بحرية مكتملة الأركان، موضحة أن تفاصيل أساسية لا تزال غير معلنة، مثل حجم القوات المشاركة، ونوعية القطع البحرية، وهيكل القيادة، وآليات التنسيق والتنفيذ، كما نقلت المجلة عن محللين أمنيين تشكيكهم في امتلاك العديد من الدول المرشحة للمشاركة قدرات بحرية كافية لإحداث تغيير ملموس في الواقع الأمني القائم في البحر الأحمر، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول قدرة هذا التحالف على تحقيق أهدافه المعلنة.

 

مشاركة دولية محدودة

من جانب آخر، أشارت صحيفة نيويورك تايمز إلى أن الولايات المتحدة وعددًا من الدول الأوروبية أبدت تحفظًا على الانضمام إلى المبادرة السعودية، في وقت اقتصرت المشاركة حتى الآن على عدد محدود من الدول مقارنة بعدد الجهات التي تمت دعوتها، كما لفتت الصحيفة إلى أن مسؤولين غربيين تساءلوا عن الفارق العملي بين هذا التحالف وبين العملية البحرية الأوروبية القائمة في البحر الأحمر “أسبيدس”، خاصة في ظل تقييمات غربية تعتبر أن العملية الأوروبية لم تحقق حتى الآن نتائج حاسمة في تغيير الواقع الأمني، ويعكس ذلك بحسب محللين حالة من التردد داخل العواصم الغربية بشأن الانخراط في ترتيبات عسكرية جديدة قد تفضي إلى توسيع دائرة التصعيد دون ضمان تحقيق نتائج استراتيجية واضحة.

 

تغير حسابات الردع

يرى خبراء في الشؤون العسكرية أن التطورات الأخيرة تعكس تحولًا في مفهوم الردع داخل المنطقة، حيث لم تعد القدرات العسكرية التقليدية وحدها كافية لتحقيق الأهداف السياسية، بل أصبحت البيئة العملياتية أكثر تعقيدًا مع تطور وسائل القتال وتداخل الجغرافيا مع المصالح الاقتصادية المرتبطة بالملاحة والطاقة، كما يشير هؤلاء إلى أن أمن البحر الأحمر لم يعد قضية تخص دولة بعينها، بل أصبح ملفًا دوليًا تتداخل فيه اعتبارات التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة، وهو ما يجعل أي تحالف جديد بحاجة إلى توافق سياسي واسع، وليس مجرد ترتيبات عسكرية.

 

مقارنة بين عامي 2015 والمرحلة الراهنة

يرى مراقبون أن المقارنة بين بدايات الحرب والمرحلة الحالية تكشف عن تغير ملحوظ في طبيعة المواقف الدولية، ففي عام 2015 شهدت المنطقة اصطفافًا دوليًا واسعًا خلف العمليات العسكرية، بينما تتسم المرحلة الحالية بقدر أكبر من الحذر، مع تراجع الرغبة في الانخراط المباشر، وازدياد الميل إلى إدارة الأزمة بدلاً من توسيعها،  كما يلفت محللون إلى أن سنوات العدوان الطويلة التي خاضتها اليمن في مواجهة السعودية وحلفائها ساهمت في إعادة تشكيل تقديرات القوى الدولية بشأن كلفة المواجهة، وأبرزت الحاجة إلى حلول سياسية بالتوازي مع الإجراءات الأمنية، خاصة في ظل استمرار التحديات التي تواجه الملاحة في البحر الأحمر.

 

قراءة مستقبلية

تشير المؤشرات الحالية إلى أن أي تحالف بحري جديد سيواجه تحديات كبيرة تتعلق بتوحيد الرؤية بين أعضائه، وتوفير القدرات العسكرية اللازمة، وبناء منظومة قيادة فعالة، فضلًا عن التعامل مع بيئة عملياتية شديدة التعقيد، وفي المقابل، يرى مراقبون أن استمرار التوتر في البحر الأحمر سيبقي المنطقة ضمن أولويات الأمن الدولي، ما يجعل مستقبل هذه التحالفات مرهونًا بقدرتها على تحقيق توازن بين الاعتبارات العسكرية والسياسية والدبلوماسية.

 

ختاما ..

تكشف التطورات الأخيرة أن البيئة الاستراتيجية في البحر الأحمر أصبحت أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في السنوات الأولى من الحرب العدوانية على اليمن وبينما يسعى النظام السعودي المجرم إلى بناء أطر أمنية جديدة، فإن فرص نجاح هذه المبادرات منعدمة في وقت تشير فيه كثير من التقديرات إلى أن الحلول المستدامة تتطلب مسارات سياسية وأمنية متوازية، وليس الاعتماد على التحالفات العسكرية وحدها.

 

يمانيون .