معركة يمنية مفصلية مع السعودية لا تقبل بأنصاف الحلول
بقلم.عزيز القاسم
يدخل اليمن هذه المرة معركته المفصلية مع العدو السعودي، ليكسر كل القيود والتعسفات المفروضة عليه منذ عقود من الزمن، فالمسألة ليست فقط لكسر الحصار، وإنما لتثبيت السيادة وتحديد المصير لشعب يأبى الخنوع والخضوع لغير الله.
فاتحة هذه المعركة بدأت مع العام الهجري الجديد 1448، عندما أصدر السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي – يحفظه الله – بياناً بهذه المناسبة دعا فيه إلى التعاون في بلدنا رسمياً وشعبياً للتصدي للمخاطر والتحديات الناتجة عن الاستهداف العدائي الشامل من جهة الأعداء ضد شعبنا العزيز، وقد مثّلت الدعوة بداية التحرك لتدشين المعركة المفصلية مع العدو السعودي، ولاقت ترحيباً رسمياً وشعبياً واسعاً، ونفيراً قبلياً لا مثيل له، لتؤكد في مجملها بأن اليمن قد سئم مرحلة “خفض التصعيد”، وأن خيار التحرير والحرية وكسر الحصار لا بد منه، مهما كلّفنا ذلك من تضحيات وثمن.
لقد رسم السيد القائد من خلال هذا الخطاب معالم المرحلة المقبلة، وثبّت الخطوط الحمراء التي لم يعد بعد الآن السماح بتجاوزها أو تأجيل معالجتها مسموحاً، وهنا نفهم لماذا استدعى السيد القائد ذلك الكم الهائل من المفردات الإسلامية، كالجهاد في سبيل الله، ومفردات الثقافة اليمنية كالهوية الإيمانية، والقبيلة، والهوية اليمنية، والكرامة الوطنية، والمصلحة الاقتصادية، فكلها أهداف سعى من خلالها السيد القائد إلى التأكيد على أن القضية تخص الشعب اليمني المحاصر، والدولة المعزولة، والمجتمع بأكمله.
ولهذا فقد حملت الرسائل التي تضمنها البيان مفهوماً واضحاً مفاده أن القبول باستمرار الوصاية على المطارات والموانئ والثروات، واستمرار الحصار والعدوان السعودي، يمثل مساساً بالعقيدة الدينية، وبالهوية الإيمانية، وبالكرامة الوطنية، قبل أن يكون مساساً بالمصالح الاقتصادية والثروات الوطنية، ليختم كل ذلك بالرفض الواضح والصريح، وبصورة قاطعة، أي تصور، أو مقاربة، يمكن أن يكون فيها القرار اليمني خاضعاً لإرادة خارجية.
ويلفت السيد القائد إلى أن مشكلة السعودية مع اليمنيين هي “حريتهم”، وفي سبيل هذه الحرية وهذا الاستقلال فإن اليمن عازم على مواجهة الهيمنة والوصاية السعودية، والتصدي لعدوانها من خلال معادلات ميدانية قائمة على الندية والمقارعة بالمثل، كمعادلة “الحصار بالحصار، والمطار بالمطار”، ليس باعتبارها وسائل ضغط على المملكة لإجبارها على تغيير موقفها فقط، بقدر ما هي تثبيت لمبادئ الحرية والاستقلال، وإرساء معادلات الندية وحقوق البلدان المتساوية، وفوق كل ذلك انتزاع العدالة والحق اليمني.
وتأتي خطابات السيد القائد المتتالية منذ افتتاح العام 1448 للهجرة، لتؤكد على حقوق الشعب اليمني المشروعة، وعلى التحرر المطلق من أي خضوع، أو ارتهان لمزاجيات الرياض أو إملاءات واشنطن؛ ما يعني أن اليمن مقبل على مرحلة استراتيجية لإرساء قواعد اشتباك جديدة قوامها: “الأمن والاستقرار يجب أن يكونا للجميع”، ومعادلاتها أن “لا حصار يمر بلا عقاب، ولا مطار يُغلق دون أن تُشل مطارات المعتدي”، وواقعها جولات مقبلة ترسم حدودها المشاريع الوطنية المدعومة من الشعوب.
هذا المشروع الوطني هو عبارة عن مشروع استقلال وطني قائم على خطة استراتيجية لها رؤية سياسية، وقوة عسكرية قادرة على فرض المعادلات البحرية والجوية والبرية، ويستطيع اليمن من خلالها إعادة تعريف موازين القوى؛ إن لم يكن على المستوى الدولي، فعلى المستوى الإقليمي على أقل تقدير، ولا أعتقد أن العالم اليوم – بأعدائه قبل أصدقائه – قد نسي المواجهات المفصلية التي خاضها اليمن مع أقوى قوة بحرية في العالم، والتي استطاع في ختامها إجبار المعتدي الأمريكي على الانسحاب من المواجهة، وترك كيان العدو الصهيوني وحيداً في مواجهة حظر الملاحة اليمني، وفي مواجهة العمليات اليمانية، ولهذا يتمنى اليمن على أعدائه حسن قراءة المشهد، ومغادرة مربع أوهام الحصانة والحماية ممن أثبت اليمن من خلال الميدان عجزه عن حماية نفسه، فضلاً عن حماية غيره.
وبحسب قراءة الكثير من المتابعين والخبراء؛ فإن المشهد اليوم يختلف عن الأمس، فالقدرات العسكرية اليمنية في تطور مستمر، وقادرة على إيلام العدو السعودي، وقد استطاع اليمنيون إحداث قفزات نوعية في قدراتهم العسكرية، وابتكار تطور نوعي كبير، سواء على مستوى الصواريخ أو الطائرات المسيرة، أو القوات البرية، أو أنظمة الاستطلاع والقيادة والسيطرة، كما أن سنوات الحرب الطويلة أفرزت خبرات ميدانية واسعة لدى القوات اليمنية، وسمحت بتطوير عقيدة قتالية تجمع بين الحرب النظامية وغير النظامية، وهو ما جعل البيئة العملياتية أكثر تعقيداً أمام أي طرف يفكر بخوض مواجهة جديدة.
ومن هذا المنطلق؛ فإن أي حرب مستقبلية ستكون فيها المواجهة مختلفة من حيث الأدوات والقدرات ومساحات التأثير.
وفوق كل ذلك نجد أن صنعاء في المعركة تستند إلى أرضية شعبية صلبة، ومشروعية وطنية لا تقبل التأويل، فالمطالب التي تمس الجانب الإنساني في المقام الأول، والمتمثلة في رفع الحصار كلياً عن مطارات وموانئ اليمن، وحق الشعب في الإفادة من ثرواته السيادية لصرف المرتبات، والإسراع في إغلاق ملف الأسرى وخروج القوات الأجنبية، هي حقوق أساسية كفلتها الشرائع السماوية والقوانين الدولية.
وكل هذه كانت حاضرة في ساحات وميادين التظاهرات اليمنية، التي عبّرت عن تفويض مطلق للقيادة بانتزاع هذه الحقوق بكل الوسائل المتاحة، وأعلنت انتهاء فترة الصبر والانتظار أمام التعنت والتهرب المستمر من تنفيذ خارطة الطريق الأممية التي تعطلت بفعل التسويف السعودي طيلة السنوات الماضية.
ولهذا؛ فمعركة اليوم هي فاصلة، وقد أعدّت لها القيادة اليمنية كل مقومات الثبات والانتصار، باعتبارها معركة دينية جهادية في مواجهة قوى الاستكبار، ومعركة وطنية في مواجهة قوى الاحتلال، ولهذا قد تأخذ مدى زمنياً ليس بالقصير، وقد تشهد عمليات كبرى، وقد تأخذ أثماناً باهظة، ولن يتم إيقافها إلا بحصول اليمن على معظم أهدافه الاستراتيجية التي أرادها من خلال هذه المعركة المقدسة.