جغرافيا الردع اليمني: كيف تحولت “ذكرى الوحدة” من مناورة سياسية إلى “كماشة بحرية” تطوق الاستكبار؟
جغرافيا الردع اليمني: كيف تحولت "ذكرى الوحدة" من مناورة سياسية إلى "كماشة بحرية" تطوق الاستكبار؟
الجوف نت | خاص
23 مايو 2026
لم تعد المناسبات الوطنية في اليمن مجرد محطات بروتوكولية لإلقاء الخطابات وإطلاق الوعود؛ بل تحولت، في ظل المعادلة العسكرية الحالية التي تفرضها صنعاء، إلى منصات لرسم خارطة طريق الإقليم وتحديد خطوط الاشتباك القادمة. الخطاب الأخير لرئيس المجلس السياسي الأعلى، المشير الركن مهدي المشاط، بمناسبة الذكرى السادسة والثلاثين للوحدة اليمنية، لم يكن بياناً احتفالياً، بل كان “وثيقة ردع جيوسياسية” أعادت تعريف الصراع من مجرد شأن داخلي إلى معركة سيادية ترتبط بخطوط الملاحة الدولية وموازين القوى في المنطقة.
تفكيك استراتيجية “التشطير”: غطاء لنهب الثروات
حين يتحدث الخطاب الرئاسي عن أن مشاريع التقسيم والأقاليم هي “محاولات يائسة”، فإن التحليل الميداني يذهب إلى ما هو أبعد من المكايدات السياسية. صنعاء تقرأ المشهد في المحافظات الواقعة تحت سيطرة التحالف السعودي الإماراتي كالتالي:
- اللافتات والميليشيات: الكيانات والميليشيات المتواجدة في عدن وحضرموت والساحل الغربي ليست مشاريع سياسية قابلة للحياة، بل هي أدوات وظيفية ممولة عنائياً لإنتاج صراعات بينية مستمرة.
- الهدف الحقيقي للاحتلال: الوعي الشعبي المتنامي في الجنوب بات يدرك أن الهدف من شعارات “الإنفصال” ليس دولة مستقلة، بل تسهيل السيطرة على منابع النفط والغاز في شبوة وحضرموت، وتحويل الجزر الاستراتيجية مثل (سقطرى وميون) إلى قواعد عسكرية مغلقة مغيبة عن السيادة اليمنية.
فارق الاستقرار والمواطنة بين المحافظات المدارة من صنعاء، وبين الفوضى الأمنية وانهيار العملة في المحافظات المحتلة، حوّل “الجينات الوحدوية” من شعار عاطفي إلى حاجة شعبية ملحة للأمن والسيادة.
من 1994 إلى 2026: تنقية “الوحدة” من إرث الفيد
الملمح الآخر شديد الأهمية في هذا التناول هو الشجاعة في نقد الماضي. فالخطاب لم يدافع عن “وحدة صيف 1994” التي أنتجها النظام السابق بالدبابات وحولها إلى “غنيمة وفيد” وإقصاء لأبناء المحافظات الجنوبية.
هنا تضع صنعاء فارقاً جوهرياً:
العلاج ليس في تمزيق الجسد اليمني، بل في تحرير القضية الجنوبية العادلة من ابتزاز المكونات المرتهنة للخارج، وإعادتها إلى مالكها الشرعي (الشعب)، مع قطع الطريق أمام عودة رموز الفساد القديم بأقنعة جديدة.
الكماشة البحرية: التكامل بين “باب المندب” و”هرمز”
البُعد الاستراتيجي الأكثر خطورة في الخطاب تمثل في نقل معادلة الردع من البحر الأحمر إلى مضيق هرمز. إعلان صنعاء التضامن الكامل مع حق الجمهورية الإسلامية الإيرانية في إدارة مضيق هرمز ومواجهة العربدة الأمريكية، يمثل تحولاً نوعياً في مفهوم “محور المقاومة”:
- إغلاق الممرات: يعني هذا الطرح عملياً أن مصالح ثلاثي الاستكبار (أمريكا، بريطانيا، إسرائيل) باتت تقع بين فكي كماشة: مضيق باب المندب جنوباً، ومضيق هرمز شرقاً.
- فشل الترسانة الغربية: العمليات اليمنية التي استهدفت البوارج العسكرية والعمق الصهيوني (أم الرشراش) بصواريخ باليستية ومسيرات متطورة (مثل صماد 4 وذو الفقار)، أثبتت عملياً أن الهيمنة البحرية الأمريكية في المنطقة قد كُسرت شوكتها.
قانون “الخيانة العظمى”: نهاية المواقف الرمادية
لقد وضع الخطاب الرئاسي حداً فاصلاً لزمن “المواقف الرمادية” أو التخفي خلف شعارات الدبلوماسية المداهنة. التشخيص التاريخي للمرحلة يفرض التالي:
- الخيانة: هي التخاذل والوقوف على الحياد بينما يُباد الشعب الفلسطيني واللبناني.
- الخيانة العظمى: هي فتح الأجواء والأراضي وتقديم التسهيلات اللوجستية والاستخباراتية للعدو الصهيوأمريكي لضرب شعوب المنطقة.
خلاصة القول:
تتحرك صنعاء اليوم، مسنودةً برؤية قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، من موقع قوة وندية سياسية وعسكرية غير مسبوقة. إن بناء اليمن الجديد القائم على العدل والتنمية المستقلة، بالتوازي مع التقدم في ملفات إنسانية كملف الأسرى على قاعدة “الكل مقابل الكل”، يبعث برسالة أخيرة لقوى العدوان وأدواتها المحلية: مشروع الارتهان يلفظ أنفاسه الأخيرة، والسيادة اليمنية على البر والبحر والجو أمرٌ عُمّد بالدم والتضحيات ولا تراجع عنه.