المقاطعة كرافعة تنموية: كيف تتحول الزراعة إلى طوق نجاة للاقتصاد الوطني والأمن الغذائي؟


الجوف نت | خاص

​يُمثل الأمن الغذائي الركيزة الأساسية لحماية السيادة الوطنية والأمن القومي لأي بلد. وفي الوقت الذي أدركت فيه شعوب كثيرة أهمية الإنتاج المحلي كخيار استراتيجي لا غنى عنه، يعيش العالم الإسلامي، واليمن على وجه الخصوص، مفارقة حادة بين امتلاك مقومات طبيعية وزراعية هائلة، وبين ارتهان معيشي شبه كامل للاستيراد من الخارج.

​هذه الفجوة الكبيرة تسلط الضوء على ضرورة إحداث تحول جذري في السياسات الاقتصادية، بجعل قطاع الزراعة والإنتاج المحلي العمود الفقري للاقتصاد، واستغلال سلاح “المقاطعة” كحافز تنموي قوي لدعم المنتج الوطني.

​التبعية الاستهلاكية وأوراق الضغط الاقتصادية

​في قراءة تحليلية لواقع الإنتاج، يتضح حجم الهدر الاقتصادي الذي طال القطاع الزراعي اليمني نتيجة سياسات خاطئة تراكمت على مدى عقود طويلة. فاليمن، برغم تنوع مناخه، وخصوبة أرضه، ومساحاته الشاسعة، بات يستورد أبسط احتياجاته الأساسية، بما في ذلك المواد التي يمكن تصنيعها محلياً وبسهولة كمعجون الطماطم (الصلصة) والبسكويت من عشرات الدول.

مبدأ السيادة: إن اعتماد المجتمع في الحصول على احتياجاته الضرورية كالمناديل، والملابس، والغذاء، والدواء على الخارج – ولا سيما الدول المعاصية والخصوم – يحول هذه الاحتياجات الأساسية إلى أوراق ضغط سياسية واقتصادية بيد الآخرين. ومن هنا تبرز الحكمة التنموية في ضرورة الاعتماد على الذات وتحقيق الاكتفاء الذاتي بناءً على المقومات التي منحها الله للأرض اليمنية.

 

​كيف تصبح المقاطعة حافزاً للإنتاج المحلي؟

​لا تقتصر المقاطعة الاقتصادية للبضائع الأمريكية والصهيونية أو الشركات الداعمة لها على كونها موقفاً مبدئياً فحسب، بل تمثل أداة اقتصادية فاعلة لإعادة توجيه الدورة المالية داخل السوق المحلية.

  • توطين رأس المال: إن مقاطعة السلع الخارجية تدفع المستهلكين والتجار والجمعيات التنموية إلى البحث عن بدائل محلية وصناعتها.
  • تدوير الأموال داخلياً: بدلاً من ذهاب المليارات من العملات الصعبة إلى جيوب الشركات الخارجية، تتحول تلك الأموال إلى استثمارات داخلية تذهب لصالح المزارع، والفلاح، والتاجر، والمصنع اليمني.
  • معالجة البطالة: تحول رؤوس الأموال من الاستيراد المحض إلى الإنتاج الداخلي يؤدي فوراً إلى تشغيل الأيادي العاملة، وتقليص نسب البطالة، وإنعاش القدرة الشرائية للمواطنين.

​المسارات التنموية للخروج من بؤس الاستهلاك

​إن الخروج من حالة الركود والمعاناة الاقتصادية التي يعيشها اليمن يتطلب الاعتراف بأن المشكلة البنيوية تكمن في تهميش الإنتاج وإهمال الصناعات التحويلية والزراعية طوال العقود الماضية. ولن تجدي أي حلول ترقيعية نفعاً ما لم يجرِ تصحيح هذا المسار؛ فالبلدان التي حققت نهضات اقتصادية حقيقية بدأت بتوجيه الاستثمارات الكبيرة للقطاع الخاص نحو الداخل.

​يتطلب هذا التحول الاستراتيجي تكامل ثلاثة أركان أساسية:

  1. وعي المستهلك: عبر الإقبال الواعي والمستمر على دعم وشراء المنتجات الوطنية.
  2. مسؤولية المنتج المحّلي: من خلال الالتزام التام بمعايير الجودة والكفاءة العالية لتكون قادرة على المنافسة.
  3. الشراكة الرسمية والأهلية: عبر خلق تعاون حقيقي وملموس بين القطاعين العام والخاص، والوعي المجتمعي العام، والجهات الحكومية ورجال الأعمال، لإعادة الاعتبار للقطاع الزراعي باعتباره الرافعة الأساسية للاقتصاد الوطني والضامن الحقيقي لسيادة قرارنا المعيشي.