محاولات إشعال الداخل.. قراءة تحليلية في أبعاد الحرب الاستخبارية وأهداف إثارة الفوضى

محاولات إشعال الداخل.. قراءة تحليلية في أبعاد الحرب الاستخبارية وأهداف إثارة الفوضى


بعد سنوات طويلة من العدوان والحصار والحرب المركبة التي استهدفت اليمن أرضًا وإنسانًا وهويةً وسيادة، بات واضحًا أن قوى العدوان الصهيوأمريكي، وبعد فشلها في تحقيق أهدافها العسكرية والسياسية، انتقلت بصورة متزايدة إلى مسارات أكثر خطورة تعتمد على الحرب الناعمة والإدارة الاستخبارية لإشعال الجبهة الداخلية وإثارة الفوضى المجتمعية والسياسية والإعلامية،  فالمعركة التي عجزت فيها أدوات العدوان عن حسم الميدان بالقوة العسكرية، تحاول اليوم تعويض إخفاقها عبر استهداف الوعي الجمعي، وضرب الثقة الداخلية، وإثارة السخط الشعبي، وصناعة الأزمات المفتعلة، والدفع نحو الانقسام والتشكيك والإرباك، في محاولة بائسة لإضعاف حالة الصمود الشعبي التي أفشلت مشاريع الهيمنة والاحتلال.

 أعده للنشر | طارق الحمامي

التحول من الحرب العسكرية إلى الحرب الاستخبارية

مع تصاعد فشل العدوان في تحقيق أي اختراق استراتيجي على المستوى العسكري، بدأت أدواته بالتحول نحو إدارة معركة من نوع آخر، تقوم على إثارة الفوضى الداخلية، واستثمار أي قضية أو إشكال أو حدث محلي لتحويله إلى حالة رأي عام مشحونة بالغضب والتوتر، وتعتمد هذه الحرب على أساليب متعددة، أبرزها، تضخيم القضايا الجزئية وتحويلها إلى أزمات عامة، ونشر الشائعات والمعلومات المضللة بصورة منظمة، واستهداف الرموز الوطنية والاجتماعية والدينية بحملات تشويه ممنهجة،  وإثارة الانقسامات المناطقية والطائفية والسياسية، وتوظيف وسائل التواصل الاجتماعي لإدارة حملات تحريض ممنهجة، وكذلك محاولة خلق حالة فقدان ثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة، وتكشف هذه التحركات عن وجود إدارة استخبارية متخصصة تدير هذا النشاط التخريبي عبر أدوات محلية مرتبطة بمشاريع الخارج، تعمل ضمن غرف إعلامية وسياسية تسعى لإرباك الداخل اليمني بعد أن تعذر إسقاطه عسكريًا.

لماذا يركز العدو على الجبهة الداخلية؟

يدرك العدو أن قوة اليمن الحقيقية لم تكن في الإمكانات المادية وحدها، بل في تماسك الجبهة الداخلية، وحالة الوعي الشعبي، والالتفاف المجتمعي حول خيار الاستقلال والسيادة،
ولهذا فإن استهداف الداخل يمثل بالنسبة له أولوية قصوى، لأن تفكيك المجتمع من الداخل أقل كلفة وأكثر خطورة من المواجهة العسكرية المباشرة،  فالعدو يعلم أن أي حالة فوضى داخلية يمكن أن تحقق له ما عجزت عنه سنوات الحرب، ولذلك يسعى إلى، إنهاك المجتمع نفسيًا ومعنويًا،  من خلال إغراق الرأي العام في قضايا مفتعلة وصراعات جانبية وحملات تشويه متواصلة تهدف إلى نشر الإحباط واليأس وفقدان الثقة، وكذا تشتيت الاهتمام عن المعركة الأساسية، إذ يحاول تحويل بوصلة الوعي الشعبي بعيدًا عن مواجهة العدوان والمؤامرات الخارجية، وإشغال الناس بخلافات داخلية وقضايا ثانوية يتم تضخيمها بصورة متعمدة، وضرب حالة الاصطفاف الوطني، لأن وحدة الصف الداخلي تمثل أهم عوامل الصمود والانتصار، وبالتالي فإن إثارة الانقسامات تمثل هدفًا استراتيجيًا لقوى العدوان، وكذا الانتقام من حالة الفشل والهزيمة، فبعد أن تحولت اليمن إلى قوة مؤثرة إقليميًا وأسقطت رهانات الهيمنة، بات العدو يبحث عن أي وسيلة للثأر من هذا الصمود عبر محاولات التخريب الداخلي.

أدوات الفتنة وصناعة الفوضى

تستخدم غرف الحرب الاستخبارية مجموعة من الأدوات المتشابكة لإثارة الداخل، ومن أبرزها، الإعلام الموجَّه حيث يتم تشغيل منصات إعلامية وصفحات إلكترونية وحسابات وهمية تعمل على بث الإشاعات، وإعادة تدوير الأخبار الكاذبة، وتحويل أي حادثة إلى أزمة وطنية، وكذا الحرب النفسية، عبر نشر مشاعر الإحباط والتشاؤم وتضخيم السلبيات بصورة متعمدة، بهدف إنهاك المجتمع نفسيًا وإضعاف ثقته بنفسه وبمؤسساته، والاختراق المجتمعي من خلال محاولة زرع الفتن داخل النسيج الاجتماعي والقبلي والسياسي، واستثمار بعض الأخطاء أو الإشكالات الطبيعية لإشعال التوترات، وصولا إلى توظيف العملاء والمرتزقة،  إذ تعتمد قوى العدوان على شخصيات وأدوات محلية مرتبطة بمشاريع الخارج تقوم بتنفيذ الأدوار التحريضية والإعلامية والسياسية خدمة للأجندة المعادية.

الوعي الشعبي .. خط الدفاع الأول

أثبتت السنوات الماضية أن الوعي الشعبي اليمني كان أحد أهم أسباب إفشال مخططات العدوان، وأن إدراك المجتمع لطبيعة المؤامرة ساهم في إسقاط كثير من مشاريع الفوضى والاختراق، واليوم تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا لتعزيز هذا الوعي، خصوصًا في ظل تطور أدوات الحرب الناعمة واتساع نشاط المنصات المعادية التي تراهن على إثارة الانفعالات وتغذية الانقسامات،  ويتطلب ذلك التثبت من المعلومات وعدم الانجرار خلف الشائعات، وإدراك خطورة الحملات المنظمة على وسائل التواصل، وتعزيز خطاب الوحدة والتماسك المجتمعي، ودعم مؤسسات الدولة في مواجهة حملات الاستهداف، وتقديم المصلحة الوطنية فوق أي اعتبارات ضيقة.

حماية الجبهة الداخلية مسؤولية جماعية

إن حماية الجبهة الداخلية ليست مسؤولية جهة بعينها، بل واجب وطني وأخلاقي يقع على عاتق الجميع؛ الدولة والإعلام والعلماء والمثقفين والقبائل والنخب الاجتماعية وكل أبناء المجتمع،
فالمعركة اليوم لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت معركة وعي وثبات وصمود وإدراك لطبيعة الحرب المركبة التي تستهدف اليمن في هويته واستقلاله ووحدته الداخلية،  كما أن الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية يمثل وفاءً لتضحيات الشهداء الذين قدموا أرواحهم دفاعًا عن حرية اليمن وكرامته وسيادته، وحمايةً لمكتسبات ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر التي شكلت محطة مفصلية في مواجهة مشاريع الوصاية والهيمنة الخارجية.

ختاما ..

تكشف محاولات إثارة الفوضى والفتن الداخلية حجم الإخفاق الذي مُنيت به قوى العدوان في مختلف مسارات المواجهة، وهو ما دفعها للانتقال إلى أدوات الحرب الاستخبارية والنفسية بهدف ضرب الداخل اليمني من بوابة التشكيك والإرباك والانقسام، غير أن التجربة اليمنية خلال سنوات العدوان أثبتت أن المجتمع الذي صمد في وجه القصف والحصار قادر أيضًا على إفشال مؤامرات الفوضى والحرب الناعمة، متى ما تحلى بالوعي والبصيرة ووحدة الموقف.
وفي ظل هذه التحديات، تبقى مسؤولية الجميع اليوم هي تعزيز الاصطفاف الوطني، وحماية الوعي العام، والتصدي لكل محاولات الاختراق والتحريض، حفاظًا على أمن الوطن واستقراره وصونًا لتضحيات الشهداء والمكتسبات الوطنية التي تحققت بدمائهم وصمود الشعب اليمني.

 

يمانيون.