11عاماً من الصمود: اليمن يُعرّي المنظومة الدولية ويوثق جرائم العصر بالأرقام والرهانات القضائية
11عاماً من الصمود: اليمن يُعرّي المنظومة الدولية ويوثق جرائم العصر بالأرقام والرهانات القضائية
الجوف نت / تقارير
محمد ناصر حتروش
يقف اليمن شامخاً أمام أعتى تحالف عدواني عالمي استمر لأحد عشر عاماً ومازال حتى لحظة كتابة التقرير، محولاً سنوات القصف والحصار إلى ملحمة أسطورية من الثبات الإنساني والسياسي.
وتأتي مناسبة ذكرى الصمود الوطني وذاكرة اليمنيين محملة بأرقام مهولة وثقتها مراكز حقوقية وإنسانية، حيث تشير الإحصائيات الأخيرة إلى سقوط أكثر من 54,757 مدنياً بين شهيد وجريح بفعل القصف المباشر، بينما فتك الحصار والأمراض المزمنة وسوء التغذية بحياة ما يزيد عن مليون و400 ألف مدني. العدوان تجاوز الجانب العسكري ليشمل كل مفاصل الحياة، فاستهدف شريان الحياة بتدمير 600 ألف منزل، وآلاف المنشآت الخدمية والاقتصادية، محاولاً كسر إرادة شعب اختار السيادة ثمنًا لوجوده.
وبينما يمر عقد ويزيد، تتضح اليوم أبعاد المخطط الذي بدأ بتفكيك قدرات اليمن الدفاعية استباقياً، مروراً بحرب التجويع الممنهجة، وصولاً إلى تعميد هذه الانتهاكات بصمت دولي مريب.
في هذا التقرير نسلط الضوء على شهادات قيادية وقانونية وإنسانية تعيد قراءة المشهد اليمني من زوايا المسؤولية التاريخية والجنائية المترتبة على التكالب العدواني على اليمن، مؤكدة أن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن خارطة الصمود اليمني باتت اليوم الرقم الأصعب في معادلات المنطقة المتسارعة.
في السياق يؤكد عضو المكتب السياسي لأنصارالله علي الديلمي أن الوجود الأمريكي في اليمن لم يبدأ مع انطلاق تحالف العدوان، إنما سبقه بمراحل تمهيدية تمثلت في اختراق المعسكرات اليمنية تحت ستار “الهيكلة” لتدمير السلاح الاستراتيجي وتفكيك بنية الجيش.
وفي حديثه لموقع أنصارالله يعتبر الديلمي واشنطن المخطِّط والمحرك الفعلي للعدوان، وما الأدوات الإقليمية إلا واجهات لتنفيذ مشروع “الشرق الأوسط الجديد” وخدمة الكيان الصهيوني، لافتا إلى أن حجم الجرائم المرتكبة، والتي طالت آلاف النساء والأطفال، كشفت وجه المنظومة الدولية التي تحولت -عبر ممثليها- إلى صدى للمواقف الأمريكية والسعودية.
ويشدد على أن الرصد الدقيق للأسلحة المحرمة دولياً التي استخدمت في قصف المدن يثبت أن الجريمة كانت مكتملة الأركان، منوهاً إلى أن الصمود اليمني طوال 11 عاماً فرض متغيرات استراتيجية جعلت من ملف حقوق الإنسان استحقاقاً مستمراً لا يمكن تسويته بأي اتفاق سياسي يتجاوز إنصاف الضحايا ومحاسبة الجناة.

وفيما كان تحالف العدوان يرتكب المجازر المروعة بحق الأبرياء من النساء والأطفال والثكالى، خيم الصمت المطبق على المنظمات الحقوقية والدولية وكأن شيئا لم يكن، في مؤشر واضح يثبت زيف تلك المنظمات وانحيازها التام إلى صف الجلاد.
وامام ذلك حرصت المنظمات الحقوقية والانسانية المحلية -أبرزها مركز عين الإنسانية- على التوثيق الحصري والقانوني لكل تلك الجرائم طيلة فترة العدوان، الأمر الذي يجعل المعتدين أمام المساءلة القانونية لتلك الجرائم.
وحول هذا الشأن يوضح الناشط القانوني العميد عبدالوهاب الخيل المسارات الإجرائية للملاحقة الدولية، مؤكداً أن الإحصائيات الحقوقية تمثل “قيمة إثباتية أولية” لتحريك ملفات التحقيق أمام المحكمة الجنائية الدولية.
وفي حديثه لموقع أنصارالله يؤكد الخيل أن الجهات الوطنية نجحت في حفظ الأدلة وفق “سلسلة حيازة” قانونية مستوفية للمعايير الدولية، غير أن الفيتو الأمريكي واختلال توازنات الأمم المتحدة عطلا آليات المساءلة حتى الآن.
وبناءً على التوصيف الدقيق، يصنف الخيل استهداف “الأعيان المدنية” كالمساجد والآثار جرائمَ حرب وإبادة جماعية وفق نظام روما الأساسي، معتبراً أن نية التدمير الكلي للجماعة القومية اليمنية واضحة في سياسات القصف المنهجي.
ويراهن الخيل على “اتفاقية ليوبليانا–لاهاي 2023” كأداة قانونية جديدة لتعزيز مبدأ “المحاكمة أو التسليم”، مؤكداً أن الجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في اليمن لا تسقط بالتقادم، وأن المسؤولية الجنائية تظل قائمة ومفتوحة ضد قوى العدوان وقادتها حتى تحقيق العدالة وإنصاف المظلومين.

خلف دخان الانفجارات، تدور حرب صامتة تستهدف الأمعاء الخاوية والأجساد المنهكة، حيث تحولت لقمة العيش إلى هدف عسكري للعدوان يسعى لتركيع اليمنيين عبر بوابة الجوع والمرض.
وفي هذه الجزئية تستعرض نائب رئيس منظمة إنسان للحقوق والتنمية، أمل المأخذي، الكارثة المعيشية الناتجة عن استهداف العدوان لقطاعات الغذاء والصحة، موضحة أن ضرب 15 ألف منشأة غذائية ونحو 4700 قارب صيد أدى لبطالة جماعية واتساع مخيف في فجوة الجوع.
وفي حديثها لموقع أنصارالله تؤكد المأخذي أن نقل البنك المركزي وقطع المرتبات وطبع عملة غير مغطاة كانت “الرصاصة” التي أُطلقها العدوان على الوضع الاقتصادي للأسرة اليمنية، ما فاقم سوء التغذية لدى الحوامل والمرضعات.
و تشير إلى أن تدمير 670 مرفقاً صحياً وحصار المشتقات النفطية جعل المشافي في حالة استغاثة دائمة، منتقدة صمت المجتمع الدولي الذي تصفه بالظاهرة الصوتية التي تكتفي بمساعدات وقتية دون تنفيذ التزامات التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.

يطوي اليمن أحد عشر عاما من الصمود الأسطوري، وهو في موضع قوة وثبات اذهل العالم، لاسيما وأنه صوت الضمير الإنساني في العالم، عبر كشف عورات المنظومة الدولية التي سقطت أخلاقياً وقانونياً في اختبار مظلومية اليمن وفلسطين ومؤخرا لبنان وإيران.
وتبقى الأرقام المهولة والبيانات الموثقة لدى المراكز الحقوقية والإنسانية وثائق تاريخية تدين حقبة من الاستبداد العالمي والتبعية السياسية، فالصمود اليمني اثبت أن إرادة الشعوب أقوى من ترسانات السلاح، وأن سياسة التجويع التي استهدفت “رغيف الخبز” لم تزد اليمنيين إلا تمسكاً بحقهم في السيادة والاستقلال.
وتقع المسؤولية اليوم على عاتق الأحرار في العالم لكسر جدار الصمت، والمطالبة بتفعيل الآليات القانونية التي كشف عنها الخبراء، لضمان عدم إفلات القتلة من العقاب، ففجر الحرية الذي يلوح من بين أنقاض 600 ألف منزل مدمر، يؤكد أن اليمن خرج من هذه السنوات بجيش أقوى، وشعب أكثر تماسكاً، ورؤية قانونية صلبة لا تقبل المساومة، ليبقى ذكر يوم الصمود شاهداً على أن اليمن هو “مقبرة الغزاة” ومنارة الباحثين عن العدالة في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء.
موقع انصار الله.