حصون الوعي.. كيف يحمي الارتباط بالقرآن فطرة الأبناء من التلوث الغربي؟


تُمثل التربية الإيمانية للأبناء في العصر الراهن ضرورة وجودية تتجاوز مفهوم التعليم التقليدي، لتتحول إلى عملية صياغة شاملة للإنسان تهدف إلى استعادة الفطرة النقية من براثن التشويه المادي الذي يشهده العالم. وفي هذا السياق، تبرز رؤية السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي كمنطلق استراتيجي يؤكد أن غرس القيم الإيمانية في نفوس الأجيال الناشئة هو امتثال لقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ))، حيث يمثل هذا التوجيه الإلهي حائط صد يحمي الروح من التآكل أمام موجات الإلحاد والميوعة الأخلاقية. فالهدف في هذا المشروع الثقافي ليس مجرد تخريج أفراد متعلمين، بل بناء شخصيات تمتلك عمقاً إيمانياً يمنحها القدرة على الصمود النفسي والفاعلية الاجتماعية، مما يجعل من التربية الإيمانية الجسر الوحيد الموثوق الذي يربط الأبناء بخالقهم، ويضمن لهم كرامة النفس وعزة الموقف في زمن تتسابق فيه القوى الاستكبارية على تمييع الهويات وطمس القيم الفطرية الأصيلة.

ويرتبط هذا المسار التربوي، كما تجسده محاضرات وموجهات السيد القائد، ارتباطاً عضويًا ومصيريًا بالقرآن الكريم، بوصفه المصدر المعرفي والروحي الذي وصفه الله بقوله: ((إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)). إن تلاوة القرآن والارتباط الدائم بآياته يمثل أهمية استراتيجية في تكوين “البصيرة” لدى الناشئة؛ فالقرآن ليس مجرد نصوص تُتلى للمباركة، بل هو منهج حياة وبوصلة دقيقة توجه التحرك البشري نحو الحق. وحين يرتبط الطفل بالقرآن منذ نعومة أظفاره، فإنه يبني في داخله نظام قيم لا يقبل التضليل، مسترشداً بقوله سبحانه: ((قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ)). إن هذا الارتباط الوثيق بكلام الله يُصفي العقل من الشوائب الثقافية الدخيلة، ويخلق جيلاً يتحرك بنور الوحي ليصنع مستقبلاً يسوده القسط والسيادة المستمدة من هدى الله عز وجل.

  التزكية القرآنية كدرع استراتيجي ضد الغزو الثقافي

ينطلق التحليل المعمق للمنظومة التربوية من حقيقة أن النفس البشرية هي الساحة الحقيقية للصراع، وهو ما أكد عليه القرآن في قوله: ((وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا)). وفي هذا السياق، يبرز مفهوم “التزكية” كمعطى منهجي يسبق التعليم، امتثالاً لتقديم الله لها في قوله: ((وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)). وكما يؤكد السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي في محاضراته حول “تزكية النفس”، فإن الارتباط بالقرآن هو الذي يملأ الفراغ الروحي ويحمي المجتمع من السقوط في مستنقع التحلل الذي تروج له الثقافات الغربية تحت مسميات “الحرية” الزائفة. إن التزكية القرآنية تعمل كدرع يمنح الأبناء مناعة ذاتية تجعلهم يميّزون الحق من الباطل، وتمنع ذوبان شخصيتهم أمام محاولات المسخ الثقافي التي تستهدف العفة والحياء والقيم الفطرية التي فطر الله الناس عليها.

وعند النظر في الواقع الميداني، نجد أن الأجيال التي تربت في محاضن القرآن تمتلك ثباتاً يجسد قوله تعالى: ((يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)). إن تغييب القرآن عن حياة الأبناء هو ما يسعى إليه العدو لتحويلهم إلى مجرد مستهلكين لثقافته، فاقدي الإرادة والهوية. لذا، فإن البديل الثقافي الذي يطرحه المنهج القرآني يعتمد على غرس الثقة بالله، مما يمنح الناشئ حصانة نفسية صلبة تمكنه من مواجهة الضغوط بقلب مطمئن، مصداقاً لقوله سبحانه: ((الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)).

إن التربية الإيمانية في جوهرها هي عملية تحرر من الاستلاب؛ فالناشئ الذي يتلو آيات الله يدرك أن كرامته مستمدة من خالقه لا من الموديلات والأنماط الغربية. هذا التحول الوجداني يُترجم في الواقع إلى شباب يمتلكون عزة النفس التي تمنعهم من الانقياد وراء نماذج “القدوات الزائفة” التي تصدرها السينما ووسائل التواصل الاجتماعي، وتجعل منهم صخوراً صلبة تتحطم عليها كل مؤامرات المسخ الثقافي.

  القرآن الكريم ومنهجية التفكير في مواجهة التضليل

يتجاوز أثر القرآن الجوانب الروحية ليشمل “الهندسة المعرفية” لعقلية الأبناء، فهو “التبيان” الذي وصفه الله بقوله: ((وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرحْمَةً)). إن تلاوة القرآن وتدبره يبني في الناشئ عقلية المبادرة، استجابةً للأوامر الإلهية بالسعي والعمل كقوله: ((وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)). نشهد في واقعنا أن الجيل المرتبط بالقرآن يمتلك رؤية كونية تمنعه من الانخداع بالتضليل، لأنه يمتلك “الفرقان” الذي وعد الله به في قوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا)). هذا الميزان الإلهي ينهي حالة التيه المعرفي ويجعل الشاب المسلم قادراً على فرز السموم التي تبثها المنظومات الغربية لتدجين عقول شباب الأمة.

إن المنهجية القرآنية تمنح الأبناء شخصية قيادية لا تقبل بالضيم، وتجعلهم يجسدون قوله تعالى: ((وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)). وفي هذا الصدد، تبرز الدورات القرآنية كبيئة لبناء “الإنسان القرآني” الذي يتحرك بمسؤولية تجاه قضايا أمته، وعلى رأسها مظلومية الشعب اليمني وقضية الأمة المركزية. إن هذا الجيل المرتبط بالقرآن هو الأكثر قدرة على التعبير عن هويته بوعي، امتثالاً لقوله تعالى: ((وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا))، أي بالقرآن وحججه الدامغة التي تكسر احتكار الغرب لمفاهيم الحقوق، وتقدم النموذج الإسلامي الأرقى والأنزه.

  المسؤولية الوالدية كجهاد تربوي لاستنقاذ الهوية

تعتبر الأسرة هي المدرسة الأولى لتعليم الإيمان، والوالدان هما الحراس الأوائل للفطرة من التلوث، امتثالاً لوصايا القرآن كقول لقمان لابنه: ((يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ)). إن المسؤولية الوالدية تتجاوز الدور المادي لتصل إلى مفهوم “الرعاية الروحية”؛ فإهمال التحصين الإيماني هو ثغرة ينفذ منها الشيطان، وكما يحلل السيد القائد، فإن الجوع القيمي أخطر بكثير من الجوع الجسدي. وفي الواقع اليمني، نجد أن المنازل المرتبطة بالقرآن تفيض بالسكينة، مصداقاً لقوله تعالى: ((فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ)).

إن الشواهد الحية تؤكد أن الأسر التي ربّت أبناءها على موائد القرآن قدمت للأمة جيلاً يجسد قوله سبحانه: ((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ)). إن النجاح في هذا الاختبار التربوي هو الذي يضمن بقاء المجتمع اليمني عصياً على التمزق الاجتماعي، ويحول كل منزل إلى حصن منيع يحمي الهوية الإيمانية من محاولات التمييع والتدجين الغربي، فالحفاظ على الأبناء أمانة سيُسأل عنها الوالدان، والقرآن هو الوسيلة الوحيدة لصون هذه الأمانة وتنشئة جيل يمتلك قيم الحياء والعزة والغيرة في مواجهة كل عواصف التضليل والاستكبار العالمي.

وتتجلى هذه المسؤولية اليوم في ضرورة خلق “نموذج حياة” داخل الأسرة يكسر بريق الثقافة الغربية الغازية، حيث يتحول الأب والأم إلى مراجع ثقافية قادرة على تفكيك الأفكار الدخيلة وتبسيط المفاهيم القرآنية للأبناء. إن تعزيز الارتباط بالقرآن ليس مجرد تلاوة آلية، بل هو تحويل آيات “البذل، والتضحية، والتعاون” إلى ممارسات يومية يشاهدها الأبناء في سلوك والديهم، مما يخلق حالة من “المحاكاة الإيمانية” التي تحصن الطفل وجدانياً ضد الانبهار بالنماذج الغربية الخاوية، ويجعل من البيت المسلم محضناً لإعداد النفس لتكون لَبنة صلبة في بناء الأمة.

 التربية القرآنية ميثاق النصر وصمام أمان المستقبل

تخلص هذه القراءة التحليلية المعمقة إلى أن التربية الإيمانية وفق الموجهات التي يرسخها السيد القائد هي ميثاق النجاة وصمام الأمان لحماية المجتمع من التبعية الثقافية للغرب، وهي امتثال لقوله تعالى: ((وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)). إن الحقائق التربوية تؤكد أن القرآن هو الملاذ لصناعة إنسان متوازن يجمع بين طهارة النفس وقوة الإرادة، وهو القادر على تحويل الأجيال من حالة الاستهلاك إلى حالة السيادة والوعي المبدئي، محققين بذلك قوله سبحانه: ((كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)).

إن الاستثمار في التربية الإيمانية هو الضمانة لنشوء جيل يجسد قوله تعالى: ((فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)). إننا اليوم مدعوون لترجمة موجهات القيادة الحكيمة ليكون أبناؤنا هم الطليعة المؤمنة التي ترفع راية الحق، فمستقبلنا مرهون بمدى تمسكنا بهذا الحبل الإلهي المتين، وغرس القرآن في وجدان أطفالنا ليكون بوصلة نصرهم، مستمدين عزمهم من وحي السماء الذي سيبقى القوة التي لا تُقهر في مواجهة كل عواصف التضليل والتمزيق الثقافي الغربي.

 

موقع 21 سبتمبر