الشهيد طه المداني.. حارس المشروع ومهندس الأمان في زمن الانكسار
في الميادين التي لا تنسى فرسانها، ومع حلول ذكرى استشهاده العطرة، تشرق في سماء الذاكرة الجهادية والوطنية قامة سامقة، لم تكن مجرد اسم عابر في مسار المواجهة، ولا طيفاً هامشياً في غمار لحظات التحول الكبرى التي أعادت صياغة وجه التاريخ.
إنه اللواء طه المداني، رجل الأمن الأول الذي وضع روحه في كفة، واستقرار الأمة والوطن في كفة أخرى، ليكون مرسخ مداميك الاستقرار في زمن العواصف.
إشراقة الفجر وعتمة السجون:
في عام 1979، كان الميلاد إيذاناً بقدوم “أبو حسن المداني”، سليل تلك الأسرة العريقة التي تعمدت بفيض العلم ووهج الجهاد.
نشأ في ظلال الطهر، فكانت المساجد محرابه الأول، والسجون مدرسة ثباته حين عرفته ثائراً مكبراً لا يلين.
كان ذلك في زمن صار فيه الهتاف بالصرخة في وجه الهيمنة الأمريكية مغامرة كبرى وفعلاً محفوفاً بالمخاطر، حيث انبرت قلة فقط تجرؤ على المواجهة مطلع الألفية، وإبان تلك الهجمة الأمريكية المسعورة التي اجتاحت المنطقة.
ولأنه آمن بالحق صوتاً وسلوكاً، اعتقل أبو حسن مكبراً، بهتاف الصرخة، في نهايات أغسطس من عام 2003، ليمكث خلف القضبان حتى بزغ فجر خروجه من عتمة الزنازين في أواخر عام 2006.
وهنا، لم يخرج ليستريح من وعثاء القيد، فانطلق إلى الميدان مجاهداً بروح ثائرة، مقاتلاً جسوراً، وحاملاً مشعل الحرية ليضيء به كل البلاد.
لهيب الميدان.. من “الرابعة” إلى “مجزرة الدبابات”:
وفي غمار الحرب الرابعة عام 2007، برز أبو حسن كفارس لا يشق له غبار، وفي أتونها جرح ثلاث مرات، فكانت تلك الندوب بمنزلة أولى النياشين التي وشحت جسده قبل رتب الكتوف.
هنا، انبثقت شخصية المداني الفذة كقائد عبقري يزاوج ببراعة بين دقة الأمن وصرامة العسكرة.
وفي الميدان، كان المداني هو الحاضر أبداً حيث تكون المواجهة الأصعب، لاسيما إبان الحرب الخامسة، حين أدار مع رفاقه دفة المواجهة باقتدار مهيب في منطقة آل حميدان بمديرية سحار في صعدة، لتتحول مدرعات المعتدين على يديه ورفاقه إلى حطام في ما عرف آنذاك بمجزرة الدبابات.
وحينما شنت السلطة الظالمة الحرب السادسة بكل غطرستها، أوكلت إليه مهمة الدفاع عن صعيد صعدة، فخاض غمار معركة المقاش بكفاءة منقطعة النظير حتى تحقق النصر المؤزر، صامداً في وجه ألوية لا تحصى تم الحشد لها لمواجهة مشروع المسيرة القرآنية.
هندسة عقيدة الأمن وبناء القدوة:
لم يكن طه المداني يبني أجهزة صماء، بل كان يشيد حصوناً من الوعي والحس الأمني المرهف الذي تشكل في أتون الاستهداف والمؤامرات، ليكون خير من تلقى على عاتقه مسؤولية بناء أول جهاز أمني يذود عن المجاهدين ويحمي ظهورهم.
وأما عن علاقته برفاق الدرب، فقد كان أقرب إليهم من حبل الوريد؛ يعرف تفاصيلهم الدقيقة، ويتلمس همومهم المنسية، ويشاركهم اقتحام المخاطر، مؤمناً بيقين الصادقين بأن القيادة الحقيقية تبنى بالقدوة لا بالأوامر الجافة.
كان يتقدم رفاقه المجاهدين ويتفقدهم بقلب القائد وعين الأخ، موصياً إياهم دوماً بأن يكونوا على أخلاق عالية مع الناس، وأن يمهدوا السبل لتأمين حركتهم وصون ممتلكات أبناء المجتمع كافة.
لقد كان تجسيداً حياً ونموذجاً للمدرسة القرآنية في أسمى تجلياتها، فصار حضوره في أي ساحة يحل بها مصدر ثقة وطمأنينة وأمان.
ثورة سبتمبر وإسقاط عروش الجاسوسية:
وما إن كانت تنتهي ساحة قتال، حتى يشرع بوعيه الوقاد في معركة أخرى لا تقل ضراوة، وهي معركة ترسيخ الأمن.
ومن موقعه الأمني، سهر الليالي على تحديث وتطوير الجهاز الأمني، حتى استحق بجدارة أن يضع خبرته الطويلة والعميقة في خدمة ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر التي كتب الله بها فجراً جديداً لليمن عموماً وللمشروع القرآني التحرري على وجه الخصوص.
ومن رحم تلك الثورة، انبثقت لجان أمنية شعبية غدت قوة إسناد صلبة لأجهزة الدولة، وتحت إشرافه المباشر، وفي حضرته تهاوت عروش التنظيمات الاستخباراتية الدولية، وتفككت مئات الخلايا الإجرامية قبل أن تنفث سمومها، ليرسي بذلك دعائم أمن راسخ يلمسه المواطن في يومه حتى اليوم.
وبصفته عضو اللجنة الأمنية العليا، تجلى كواحد من أبرز القادة الذين حفروا بصماتهم في صخر الميدان، وفرضوا حضورهم الطاغي في أعقد معادلات الصراع خلال واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ اليمن الحديث.
الرحيل الأسمى نحو أهل السماء:
وحينما نادى داعي الجهاد للتصدي للعدوان الأمريكي السعودي، لم يرتضِ “أبو حسن” القعود، بل بادر بنفسه إلى إسناد رفاقه في الثغور، حتى فاقهم صموداً وثباتاً، وسبقهم بقلبه التواق إلى الشهادة في ساحات الدفاع الوطني.
ترجل الفارس بعد رحلة جهادية عظيمة الأثر، تاركاً خلفه إرثاً جهادياً وثورياً زاخراً بالعطاء والتضحية، ليظل اسمه محفوراً في وجدان الأرض، وحياً في ذاكرة الأحرار كأيقونة لا تغيب.
