“الهَجَرْ ومساقاته”.. نظام العدالة العرفية التي تصون الأعراض وتجبر الخواطر في القبائل اليمنية


تقرير / محسن علي

تظل بعض التقاليد العرفية راسخة، شاهدة على حكمة الأجداد في إدارة شؤونهم وحل نزاعاتهم، سيما في عالم تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتغير ملامح المجتمعات، ومن بين هذه التقاليد العريقة، يبرز “الهجر” كمنظومة عدالة اجتماعية فريدة في القبائل اليمنية، لا تقتصر على رد الحقوق المادية فحسب، بل تتجاوزها إلى جبر الخواطر ورد الاعتبارالمعنوي في إطار فلسفة حياة تضمن السلم الاجتماعي وتحد من تكرار الأخطاء، مقدمة نموذجاً بديعاً للتصالح والتسامح في مجتمع تحكمه الأعراف والتقاليد الأصيلة، نستعرض مفاهيم الهجر ومساقته في هذا الجزء الـ18 عشر وعلى النحو التالي:

أسرار “تسريح الوفاء”.. من الاعتراف بالخطأ إلى إعلان الصلح

أولاً: المفهوم العرفي للهجر أو تسريح الوفاء
يُعرف “الهجر” عرفاً بأنه: تسريح العقوبة التأديبية اللازمة من ذبائح الغنم أو البقر، والتي تُفرض على الشخص المخطئ، الهدف من هذه العقوبة هو إرضاء واعتذار ورد اعتبار للطرف المجروح في عرضه، ويُطلق على هذه العملية أيضاً اسم “تسريح الوفاء”.

وتحدد القواعد العرفية نوع وعدد الذبائح المستحقة لكل “حجة في العرض”، مستندة إلى القاعدة القبلية: “كل حجة تشل غلاقها”، أي أن لكل خطأ حكمه المسنون عرفاً.

ثانياً: الأهمية العرفية للهجر.. فض النزاعات وضبط المجتمع
تكمن الأهمية البالغة للهجر في قدرته على حل وفصل القضايا والخلافات بين أفراد المجتمع، ففي قضايا الأعراض، لا يُقضى بالمثل، أي لا يُلزم بنقاء أو اقتصاص من نفس نوع الخطأ، حيث تؤكد القاعدة العرفية “إن في المخاطي مراضي” على أن وجود حجة للإنسان في عرضه يستلزم عقوبة مادية ومعنوية على المخطئ، تتمثل في تسريح الهجر (الغنم أو البقر).

يُعد وصول الهجر إلى باب بيت المعتدى عليه بمثابة عقوبة معنوية بحد ذاتها، يضاف إليها العقوبة المادية المتمثلة في خسارة المعتدي عند ذبح الهجر، هذه الحكمة العرفية تهدف إلى ردع المخطئين، ووضع ضوابط تحد من تكرار الأخطاء والاعتداءات، وتقديم عبرة للآخرين.

ثالثاً: مراسم تسريح الهجر.. رحلة الاعتراف والصلح
تتم عملية تسريح الهجر (الوفاء) من الغريم المخطئ إلى بيت الغريم المعتدى عليه، يكون الطرف المعتدى عليه وأقاربه ومن يقف معه من قبيلته هم المستقبلون للوفاء.

عادة ما يتم الوصول بالهجر مصحوباً بـ “زامل قبلي معبر”، والذي يحمل دلالة على الاعتراف بالخطأ وطلب العفو والصفح من المخطئ، وبعد ترديد الزامل، يتم طلب “العلم” من الواصلين، حيث يلقيه أحد “العقال” (الحكماء) منهم، يبدأ بإلقاء السلام على المستقبلين، الذين يردون السلام ويطلبون العلم بقول أحدهم: “علمكم يا وصالة”.
ثم يلتفت المتحدث من الواصلين إلى من بجانبه قائلاً: “حاولوهم يا رجال”، فيردون عليه: “كفيت”، أي خولوه بالحديث والرد.
بعد ذلك، يقول المتحدث: “أنا عبدكم”، ويردون عليه: “عبد ربك”.
ثم يتحدث المتحدث ببراعة في الإلقاء، مستخدماً كلاماً مستعطفاً يهدف إلى تخفيف الوجع لدى الطرف المعتدى عليه.

ملخص علم الوصالة
يلخص الواصل “علم الوصالة” بقوله: “قد حصل ما حصل، والوقائع تقع، ولا أحد يرضا بالخطأ، والآن جينا مسليين مرضيين، وهذا الوفاء: فإن كان قاصراً فأنتم تحملونا، وإن كان وافياً فأنتم تستاهلوه، وهذا علمنا وسلامتكم”.
هذا الملخص ينطبق على القضايا التي يُساق فيها الهجر “إقبالاً”، أي دون حكم مسبق، وخاصة في قضايا الأعراض.

رابعاً: البرزة ومدتها والرد على الهجر.. التشاور والقرار
بعد إتمام “العلم” من الواصلين بالهجر، يقوم الطرف المتهجر (المستقبل للوفاء) بـ “البرزة”، وهي تعني عرفاً التشاور السري بين بعض المستقبلين، وهم أصحاب القرار والمشورة، وتستغرق البرزة عادة من دقيقتين إلى خمس دقائق، وقد تزيد أو تنقص حسب الموقف، وبعد انتهاء البرزة وعودة “البرازة” إلى صف الاستقبال، يتم الرد على “علم الوصالة” بنفس الطريقة.
يقول المتحدث من الواصلين: “علمكم يا برازة”، فيرد أحد البرازة (من الطرف المستقبل): “احديكم يا رجال”، ويرد عليه من بجانبه: “كفيت”، قد يكون صاحب الحق المعتدى عليه هو من يرد، وهو الأفضل، أو يكفي غيره بالحديث، ويكون الرد عادة بكلام منطقي، يتضمن تأنيباً وتذكيراً بأن الخطأ مرفوض.

خلاصة الجواب المسنون
تبنى على ثلاثة احتمالات، يقرها البرازة:
الاحتمال الأول: “نحن عافون ورافعون كل ما جيتوا به” (العفو الكامل)
أما الاحتمال الثاني: “نحن ذابحون كذا ورافعون كذا” (قبول جزء من الهجر ورفع جزء آخر)
فيما الاحتمال الثالث: “اذبحوا كل ما جيتوا به” (قبول الهجر كاملاً وذبحه).

ويحق لأي غريم ذبح الهجر كله إذا كان المساق “حد أصلي”، أي خالياً من “الأحشام وتغليظات العيوب”، ومع ذلك، فإن المعتاد عند القبائل أصحاب الشيم هو رفع الهجر وعدم ذبحه، لأنهم يعتبرون الوصلة أكبر اعتذار وكافية لرد الاعتبار، لكن في بعض المواقف، قد يحتاج الغريم المخطئ إلى تأديب بذبح الهجر أو جزء منه، ليكون ذلك رادعاً وعبرة للآخرين.

خامساً: عدد الواصلين والمتبوع
تفاصيل عرفية دقيقة يحدد العرف القبلي عدداً مسنوناً للأشخاص الواصلين مع الهجر، يعتمد على نوع وعدد الذبائح
مساق الغنم: خمسة أشخاص وراء الشاتين
مساق الأبقار: خمسة وعشرون شخصاً وراء الثور
مساق الجمال: خمسون شخصاً وراء الجمل

المتبوع ومقاديره
أما “المتبوع” فهو مبلغ مالي يصاحب كل ذبيحة من الذبائح المستاقة هجراً، سواء كانت أغناماً أم أبقاراً، والغرض منه هو تغطية نفقات وتكاليف غرامة الاستضافة التي يقوم بها الطرف المتهجر في حال تم ذبح الهجر.
وفي هذا السياق سنت قواعد العرف القبلي أن مقدار المتبوع هو ربع الثمن الحقيقي للذبيحة، فمثلاً، إذا كان ثمن الشاة 40 ألف ريال، فمتبوعها النقدي 10 آلاف ريال، وإذا كان ثمن الثور 400 ألف ريال، فمتبوعه 100 ألف ريال.

سادساً: ذبح الهجر وتداعياته.. إعلان الصلح أو تقسيم اللحوم
في حال تم ذبح الهجر من قبل الطرف المعتدى عليه (المتهجر)، فإنه يلزمه استضافة القوم في بيته، وهم الأشخاص الواصلون مع الهجر والمستقبلون له، بمن فيهم الغريم المهاجر، ويجب على المستضيف عمل مأدبة غداء لجميع الحاضرين، وتبين الحكمة العرفية من ذلك هي مطايبة النفوس بين الغريم وغريمه، وإعلان انتهاء الخلاف بينهما، كما أن هناك صورة أخرى عند ذبح الهجر، وهي تقسيم لحوم ذبائح الهجر في حال عدم استضافة القوم, ويتم تقسيمها كالتالي:

ربع كامل من لحوم الذبائح للمتهجر (الطرف المعتدى عليه)
ربع آخر من لحوم الذبائح للمهجر (الطرف المعتدي)
نصف لحوم الذبائح للغرامة (الواصلون والمستقبلون للهجر)، بحيث يتقاسمونها مناصفة.

سابعاً: استبدال ذبائح الهجر والهجر اليابس.. مرونة في التطبيق
يجوز عرفاً استبدال مساقات التعالي المحكوم بها عند سوق المحكوم، وليس عند صياغة الحكم، فمثلاً، يمكن استبدال رأس البقر (الثور) بعشرة رؤوس من الغنم (شياة)، والعكس صحيح، كما يمكن استبدال رأسي بقر بالجمل، أو عشرين رأساً من الغنم بالجمل، وللعلم، فإن “الرأس من الغنم” يقصد به الأنثى (الشاة)، وإذا أراد أحد استبدال المساق بالكباش، فإن الكبش (الطلي) يساوي شاتين ونصف الشاة، أما “الهجر اليابس” فيعني أن يكون مساق الهجر نقدياً (بالمال) بدلاً من الذبائح.
إذا تم التراضي بين طرفي الخلاف على المساق النقدي، فذلك جائز عرفاً، ويتم تثمين الذبائح المحكوم بها بقيمتها القصوى، ثم تقسم هذه القيمة النقدية نصفين: نصف للمهجر ونصف للمتهجر، ومع ذلك، إذا طلب أحد الغرماء الهجر يابساً وأصر غريمه على الهجر “أخضر” (ذبائح)، فإن الأولوية تكون لمن اختار مساق الهجر أخضر، لأن الهجر اليابس يعتمد على رضا الطرفين.

ثامناً: مفاهيم مضاف الحق والحوز.. آليات إضافية لفض النزاعات
مفهوم مضاف الحق: هو قدوم صاحب حق ومجموعة من أصحابه ضيوفاً عند غريمه الذي عليه حق أو دين (نقدي أو عيني) ولم يوفِ به، هذه الاستضافة إجبارية على من في ذمته الحق، وتعتبر عقوبة عرفية تهدف إلى الضغط على المماطل مادياً حتى يوفي بما عليه، ويختلف عدد الأشخاص الواصلين للضيافة حسب طبيعة القضية وحجم الحق، وقد يصل إلى عشرة، عشرين، خمسين، أو أكثر.
عند وصول ضيف الحق، يُسن عرفاً تقديم الذبائح حسب عدد القادمين: شاة لكل خمسة أشخاص، شاتان لعشرة، أربع شياة لعشرين، وهكذا، ويلزم ذبح الثور للخمسين شخصاً، والجمل للمائة شخص، وبعد الضيافة ليوم كامل، يستطيع المستضيف رفع مضاف الحق بوضع “بندق ترفع القوم من المضاف”، ويتم طلب وعد محدد للتسديد والوفاء.

مفهوم مضاف الحوز: هو قدوم المحكم أو “الغرامة” (أبناء المغرم الواحد) ضيوفاً إجبارياً عند أحد أطراف الخلاف الذي يكون مماطلاً، متلاعباً، أو مطاولاً في سير إجراءات التحكيم أو الصلح، وتكون الاستضافة “حوزاً” على أحد الأطراف من قبل المحكم أو المحكمين، أو من قبل الغرامة قبل عملية التحكيم إذا رفض أي طرف سرعة اختيار محكم.يقتصر مضاف الحوز على الطرف المماطل والمتلاعب، ويُلزم بذبيحة واحدة (شاة) عن كل يوم، بغض النظر عن عدد المحكمين أو الغرامة، ويستمر مضاف الحوز يوماً بعد يوم حتى يعود الطرف المماطل إلى صوابه.

إرث اجتماعي لا يزال حياً
إن نظام “الهجر” وما يرتبط به من عادات مثل “مضاف الحق” و”مضاف الحوز”، يمثل إرثاً اجتماعياً غنياً يعكس عمق الفهم القبلي للعدالة والتصالح، هذه الأنظمة، التي قد تبدو غريبة عن السياقات القانونية الحديثة، تظل حجر الزاوية في حفظ النسيج الاجتماعي للعديد من القبائل، مقدمة حلولاً عملية وفعالة للنزاعات، ومؤكدة على أن للتقاليد العرفية دوراً حيوياً في بناء مجتمعات متماسكة ومستقرة، وشهادة على قدرة المجتمعات على تطوير آلياتها الخاصة لتحقيق العدالة والسلام، بعيداً عن تعقيدات الأنظمة الرسمية، ولكن بفعالية لا تقل عنها أهمية.

المرجع: كتاب قواعد العرف القبلي المسنونة والغصابة لقبائل اليمن للشيخ صالح روضان.

 

يمانيون.