هذا وقت الرجال لا الأعذار .. المسؤولية أمام الله أولاً
المسؤولية أمام الله ، هي امتحان قاس يُفرَض عند اشتداد الخطر، ففي لحظة المواجهة، يسقط الادعاء، ويتحوّل الصمت إلى موقف، ويغدو التخاذل قراراً مكلفاً لا يقل أثراً عن الهزيمة نفسها، والتاريخ العربي والإسلامي شاهدٌ على أن من تهرّبوا من مسؤوليتهم لم ينجوا، بل كانوا أول من دفع الثمن دماً وكرامةً وأرضاً، ولهذا انطلق الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه، بمنهج قرآني يضع الإيمان في قلب الصراع، ويعيد تعريفه بوصفه التزاماً عملياً، لا يقبل التأجيل ولا الاحتماء بالخوف.
أعده للنشر / طارق الحمامي
المسؤولية بوصفها تكليفاً لا خياراً
يرتكز توجه الشهيد القائد على فكرة حاسمة، أن المسؤولية أمام الله لا تُستأذن، ولا تُمارَس وفق المزاج أو الحسابات والمصالح ، فعندما تتضح الحقيقة، يصبح التحرك واجباً، لا رأياً، ويقدَّم هذا الواجب باعتباره لحظة فرز أخلاقي وإيماني، يُعرف فيها من يحمل إيمانه كعبء ثقيل، ومن يكتفي به كشعار آمن، في هذا السياق، لا يُنظر إلى الخوف بوصفه عذراً، بل كجزء من الامتحان ذاته، إذ لا معنى للمسؤولية إن لم تُؤدَّ تحت الضغط، وهو ما أكد عليه في درس ’’الشعار سلاح وموقف’’ حيث قال : ((عندما تجد أن هناك مسئولية عليك أمام الله فيجب أن تتحرك، حتى وإن كانت القضية فيها خوف, حتى وإن كانت القضية تؤدي إلى أن تضحي بنفسك ومالك)) .
القرآن هو الحكم الفاصل
يعتمد الشهيد القائد على مرجعية قرآنية صريحة، ترفض الفصل بين الإيمان والفعل، فالله سبحانه وتعالى يقول في الآية الكريمة: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون}، تُقدَّم هنا بوصفها معياراً فاصلاً، لا يقبل التأويل المريح، فالإيمان، لا يُقاس بالنية ولا بالانتماء، بل بالاستعداد للبذل عندما يُطلب البذل، وبالتحرك عندما يصبح التحرك فرضاً.
متى يكون التحرك؟ ولماذا الآن؟
يُسقِط الشهيد القائد في رؤيته القرآنية أي محاولة لتأجيل المسؤولية، أو تعليقها على زمن غيبي أو ظرف مثالي، فالله سبحانه وتعالى لم يطلب التضحية في فراغ، بل عند وجود عدوان واضح وهيمنة مفروضة، ومن هنا يأتي السؤال الاستنكاري الحاد، إذا لم يكن التحرك في مواجهة قوى الهيمنة والطغيان، فمتى يكون؟ وهل يُعقل أن يُؤجَّل التكليف الإلهي بينما الدين يستهدف، والوطن يُنهَب، والأمة تُستنزَف، والعدو يتحرك بلا توقف؟ وفي ذلك يقول رضوان الله عليه : (( عندما تجد القرآن الكريم، يطلب منك أن تضحي بنفسك، الله يطلب منك أن تضحي بنفسك، أن تضحي بمالك، أي حين؟ إذا لم يكن أمام ما تتحرك أمريكا وإسرائيل فيه، فأمام من؟ هل أمام المهدي المنتظر!)) .
الحياد جريمة والتخاذل كفر
من أخطر ما يطرحه الشهيد القائد في رؤيته القرآنية ذات الدلالة الصريحة، هونزعُه لوهم الحياد، فعدم التحرك، لا يعني السلامة، بل يفتح الباب لأن يتحول الإنسان إلى أداة في مشروع العدو، فالعدو لا يحترم الصامتين، ولا يكافئ المترددين، بل يستثمرهم أو يسحقهم، وهنا يبرز التحذير من سياسة تاريخية ثابتة للعدو تقوم على ضرب المسلم بالمسلم، حيث يُستغل الضعف والتخاذل لتحويل الضحايا إلى أدوات ضد بعضهم البعض، يقول الشهيد القائد : (( أنت إذا لم تبذل نفسك ومالك في مواجهة هؤلاء الأعداء فهم من سيسخروك أنت لتبذل نفسك ومالك في سبيلهم، في سبيلهم فعلاً, وهم متجهين، يعني هذه عندهم سياسة ثابتة، أن يضربوا المسلم بالمسلم، عندهم هذه السياسة، أن يضربوا المسلم بالمسلم)) .
التاريخ العربي كشاهد إدانة
لا يقدَّم هذا التحذير بوصفه افتراضاً، بل كخلاصة لتجارب واقعية، فالتخاذل العربي والاسلامي واضحاً وجلياً في فلسطين، فلم يؤدِّ غياب الموقف الحاسم إلى تجنّب الكارثة، بل فتح الطريق أمام نكبة مستمرة، قُتل فيها الإنسان، وصودرت الأرض، وانتهكت المقدسات، وفي العراق، لم يمنع عدم المواجهة الاحتلال، بل مهّد له، ثم أطلق فوضى أكلت الأخضر واليابس، واستُبيحت فيها الأرواح والأموال، وفي سوريا، أدى التخاذل إلى انهيار الدولة، وتحويل البلد إلى ساحة صراع مفتوح، يدفع الشعب ثمنه،
في كل هذه النماذج، كانت النتيجة واحدة، من لم يتحمّل مسؤوليته في وقتها، تحمّل لاحقاً نتائجها مضاعفة.
وهنا تقوم رؤية الشهيد القائد على معادلة عقلانية صارمة، إمّا تضحية واعية في موقع الكرامة، أو تضحية قسرية في موقع الذل، فلا وجود لخيار ثالث آمن، ولا مساحة رمادية بين الفعل والتبعية حيث يقول رضوان الله عليه : (( إذا لم تتحرك, في الأخير يجندوك تضرب مَن؟ تضرب آخرين مسلمين خدمة لأمريكا وإسرائيل. مثلما جندوا في السابق عشرات الآلاف من المسلمين، من أجل تحقيق مطامعهم، ومن أجل الدفاع عن مصالحهم، أيام الإستعمار الأول)) .
ختاماً
وفي محصلة هذه الرؤية القرآنية، لا تُطرَح المسؤولية بوصفها بطولة وحسب، بل بوصفها ضرورة، ولا تُقدَّم التضحية كخيار مثالي، بل كأقل الكلف الممكنة في مواجهة عدو لا يرحم الضعفاء ولا يحترم المترددين، فالدرس الذي يفرضه القرآن، ويؤكده الواقع، وتثبته تجارب الأمة، هو أن من يهرب من مسؤوليته أمام الله، لا يهرب من تبعاتها في الدنيا، وأن التخاذل لا يمنع الاستباحة، بل يدعوها، وأن الصمت لا يحمي الأوطان، بل يعرّيها.
يمانيون.