طوفان الولاء الأبدي وسراج الفتح في عتمة الانكسار


بقلم: شايف دحدح

 

تتضاءل أسطرُ البيان، وتتوارى اللغات خجلاً أمام هذا المدى المتلاطم من الأرواح قبل الأبدان، حين تغدو صعدة الإيمان نبضاً يمانياً يجري بسرِّ العشق المحمدي الخالد، وتستحيل ساحة الرسول الأعظم إلى المحاريب العليا للائتمام الإلهي الذي لا يتطرّق إليه الفَلَل ولا يعتريه الهوان.

إن هذا المدَّ المليونيَّ الحاشد في أفق المولد النبوي المنيف ليس طقساً زمانياً تطويه جرائد السنين، بل هو النفخ في صور البعث لأرواح الأنصار، وانعقاد غمام الشوق في أوج الملكوت، وتجسّدٌ لبنيان مرصوص استقرت سُوَرُه في ثرى الركن اليماني، وارتقت صوامعه لتطالع سدرة المنتهى.

نقف اليوم بلسان الوفاء واليقين، لنخط بدم المحبة وشرار الحديد ميثاقاً أبدياً، يعلن للملأ أن الائتمام بالمصطفى، صلى الله عليه وعلى آله، هو سر الأنفاس والراية السامقة التي لن تنكص عن المجد حتى يورث الله الأرض ومن عليها.

يجيء هذا المشهد الملحمي في لحظة كونية حرجة، يتردّى فيها واقع أمتنا العربية والإسلامية في حضيض الخنوع، وتتساقط التيجان المغشوشة عن عروش الجاهلية المعاصرة؛ فبينما هرعت سلالات البعير وأجهزة النفاق الإقليمي إلى سراب التطبيع الأدكن، وارتمت في أحضان العدو الأمريكي والصهيوني، أولئك المترددين على قذارات جزيرة جيفري إبستين والمنغمسين في أوحالها الشيطانية، سارعت تلك الأنظمة الخاضعة إلى مبايعة الإبستيني وتولّي شياطين الإنسانية، وباعت كرامة المقدسات في مزادات الخيانة.

لقد انحدرت تلك العروش لتغدو مطايا طائعة لأعداء الله والبشرية، تبث السموم وتفري أوصال النسيج الإسلامي، لتمزيق الأمة وتخدير شعوبها كي تستكين لسطوة المستكبرين؛ إلا أن حكمة القدر أبت لشعب أرضع لبن الولاء لآل البيت أن يلقي السلاح أو يقبل المساومة على طهارة العقيدة ونخوة السلف.

ولولا أن تداركتنا الرحمة الإلهية في دياجير هذه الظلمات، حين قيّض الله لهذه الأمة حفيد رسول الله، المنار الهادي، السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، حفظه الله، لكانت سفينة الأمة قد انكسرت على صخر الفتن وأعواص الردّة الحضارية.

لقد قام علم الهدى ينشر بياض الحق في وجه صناديد العصر وطغاة الاستكبار العالمي، وقاد طليعة الاستبسال بعزيمة حيدرية لا تلين، فقطع دابر الصمت الإقليمي، وأعاد للأمة بهاء بدر وخيبر، وأقام في أفئدة الأحرار مناراً يعيد صياغة التاريخ ويمحو آثام الهزائم.

إن هذا الالتحام المليوني المهيب حول شخصه الرباني ليس إلا استئنافاً مجيداً لمسار الأوس والخزرج، وتجديداً يمانياً مقدساً لميثاق البيعة؛ لتبقى أرض اليمن حاضرة الإسلام المحصنة، وموئل الفرسان الذين يشقّون بضياء عقيدتهم داجي التطبيع والانكفاء.

إننا من عمق هذه الميادين الطاهرة نستعيد أمجاد جدودنا الأنصار، الذين شيدوا منارة الدين بصفائح السيوف، ونشهد التاريخ أننا اليوم، تحت راية حفيد النبي الأعظم، نمثل السور الذي لا يُثقب، والشهاب الذي يرجم أوهام الطغاة وقوى الاستكبار ومن والاهما.

لن يخبو قبس الولاء في زمن السقوط، ولن تتنازل القامات اليمانية عن سيادتها الإيمانية؛ وسيمضي هذا الطوفان البشري صاعداً ليفتح آفاق النصر المبين، ويكتب في مصاحف العزة أن أمةً ينبض في صدرها هوى محمد وآله، وتسير بمشعل قيادة حيدرية مؤيدة، هي الأمة التي كتب لها الخلود وعلو الكلمة إلى يوم الدين.