رحلة في قلب الفعالية


بقلم | صفاء فايع

​في يومٍ تجمّلت فيه الأرض واكتست السماء بسكون خاشع، كانت الساحة تتنفّس حبًّا وتنبض بالولاء. ​بدت حركة الوفود كأنها نهرُ عشقٍ لا ينضب؛ تتوافد “ضيفات رسول الله” أفواجًا تلو الأفواج عبر الحافلات والسيارات التي جرى توجيهها بانتظامٍ مذهل؛ فأصطفت في مواقفها كأسنان المشط، والتحقت كل زمرة ببوابتها المخصصة في تناغمٍ يُدهِش الأبصار.

بين تلك الجمع الغفيرة، تلمح العين طفلةً تبتسم للمدى، وكبيرةً تُغالب خطواتها بالاشتياق، ومعاقةً حملها الشوق قبل الجسد، وأطفالًا يرفرفون بأيديهم الغرّاء رايات “لبيك يا رسول الله”.

​كانت الخضرةُ عماد البهاء؛ فالشيلان الخضراء تلتفّ حول الأعناق كأكاليل الوفاء، والفساتين الخضراء المبهرجة تُزهي الصغيرات كفراشات الجنة، وقد زُيِّنت خدودهنّ وجباههنّ بنقوشٍ وأسماء عاطرة تضمّنت “محمد” و*”رسول الله”*. وفي الأعلى، كانت السماء تُسهم في رسم اللوحة البديعة؛ إذ غابت الشمس خلف سحبٍ ركامية، ملطفةً الأجواء بذلّ تظليلها ورحمتها.

​عند مدخل الساحة المخصصة للاحتفال، تصافحك نسائم الاحتفاء؛ إذ استقبلت لجنة التنظيم الوفود بعَبق البخور، وقطرات ماء الورد، وأغصان الريحان، مع حلوى الترحيب وابتسامة التسهيل التي تزيل نَصَب الطريق.

​وما إن استقرّ الجميع في مقاعدهم تحت ظلال الغمام، حتى أُعلنت بداية الفعالية؛ فانسابت آيات القرآن الكريم في تلاوة جماعية خاشعة تعطّرت بها الأرجاء، تلتها كلمةٌ خفيفةُ المبنى عظيمةُ المعنى عن المولد النبوي الشريف، ثم شهدت الساحة أهازيج الفرح التي شدَت بها زهرات غضّات.

​وفجأةً… ارتجّ المدى بالهتافات، واهتزت القلوب قبل الحناجر وهي تُعيد نداء أهل المدينة الخالد:
​”طلع البدر علينا .. من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا .. ما دعا لله داع”
​رفرفت الشعارات المكتوبة في مشهدٍ روحانيّ مهيب، وحلّق الصوت الواحد ليذيب الفوارق ويختصر الشعور: حبٌّ خالص، وولاءٌ صادقٌ لله ورسوله ولعلم الهدى.

​وعندما أطلّ سليل النبوة وعلم الهدى بكلمته، خيم السكون على الساحة، وجلس كل قائم، وسكنت الأنفاس؛ فكانت كلماته تنزل على الأفئدة كالبلسم الشافي، وتداوي ما أرهقته الأيام.

وفي تلك اللحظة الفاصلة بين الأرض والسماء، شاركت السماء بقطرات رذاذٍ خفيف غسلت طهر المكان، فهطلت الدموع شوْقًا ورهبة، ولهجت الألسن بالذكر والثناء، وانطلقت الصلاة على محمد وآل محمد لتعانق الغمام.