القبيلة اليمنية .. حصن اليمن الذي عجز الأعداء عن كسره
لم تكن القبيلة في اليمن يومًا مجرد رابطة نسب أو إطار اجتماعي تقليدي، بل شكّلت عبر التاريخ مؤسسة وطنية متجذرة، وحصنًا منيعًا حافظ على هوية البلاد ووحدتها واستقلال قرارها في مختلف المراحل التاريخية، ولهذا السبب تحديدًا، كانت القبيلة اليمنية هدفًا لكل القوى الطامعة في اليمن منذ قرون طويلة، فالتأمل في التاريخ اليمني القديم والحديث يقود إلى حقيقة يصعب تجاهلها؛ وهي أن القبيلة اليمنية كانت عصية على الذوبان، مستعصية على الاختراق، وقادرة على إعادة إنتاج نفسها في كل مرحلة، مهما تبدلت الأنظمة وتغيرت الظروف، وكانت على الدوام خط الدفاع الأول عن الأرض والإنسان والهوية، وهو ما جعلها العقبة الأكبر أمام أي مشروع خارجي يسعى إلى فرض الوصاية أو الهيمنة على اليمن.
أعده للنشر | طارق الحمامي
من السيوف إلى الأموال .. كيف تغيرت أدوات المواجهة؟
على امتداد التاريخ، أدرك الطامعون في اليمن أن المواجهة العسكرية المباشرة مع القبائل اليمنية مكلفة وصعبة النتائج، وأن إخضاع اليمن بالقوة العسكرية وحدها مهمة شبه مستحيلة في ظل وجود مجتمع قبلي متماسك يمتلك منظومته الخاصة من الأعراف والأسلاف والتقاليد الملزمة، ومع دخول العصر الحديث، تغيّرت الأدوات وتبدلت الوسائل؛ فانتقلت المعركة من ميادين المواجهة المباشرة إلى ساحات النفوذ الناعم، ومن السلاح إلى المال، ومن الغزو العسكري إلى الاختراق السياسي والاجتماعي، وفي هذا السياق، برزت ما عُرف بـ”اللجنة الخاصة باليمن” التابعة لمجلس الوزراء في السعودية، والتي ينظر إليها كثير من الباحثين والسياسيين اليمنيين باعتبارها إحدى أهم أدوات إدارة النفوذ السعودي داخل اليمن منذ سبعينيات القرن الماضي.
لماذا كانت القبيلة الهدف الرئيسي؟
تكمن الإجابة في أن القبيلة اليمنية لم تكن مجرد مكون اجتماعي، بل كانت تمثل مركز الثقل الحقيقي داخل المجتمع اليمني، وصاحبة التأثير الأكبر في معادلات الاستقرار والحرب والسلم، والقادرة على الحشد والتعبئة وصناعة التوازنات الداخلية، وكانت الرياض، بحسب هذه القراءة السياسية، تدرك أن أي مشروع للهيمنة على القرار اليمني أو التأثير في توجهات البلاد لا يمكن أن ينجح ما دامت القبيلة اليمنية تحتفظ باستقلاليتها وتماسكها التاريخي، فالقبيلة الموحدة والقوية تشكل بطبيعتها حاجزًا أمام مشاريع الوصاية الخارجية، بينما يفتح تفكيكها وإضعافها الباب واسعًا أمام التدخلات السياسية والاقتصادية والأمنية، ويجعل السيطرة على القرار الوطني والثروات والمواقع الاستراتيجية أكثر سهولة، ومن هنا، فإن اختراق القبيلة لم يكن غاية في حد ذاته، بل كان الوسيلة الضرورية للوصول إلى الهدف الأكبر المتمثل في التأثير على القرار اليمني، وإعادة تشكيل البيئة السياسية والاجتماعية بما يخدم المصالح الإقليمية ويمنح القوى الخارجية قدرة أكبر على التحكم بمسار الأحداث داخل اليمن.
اللجنة الخاصة.. مشروع نفوذ طويل الأمد
وفقًا لهذه الرؤية، تحولت اللجنة الخاصة السعودية إلى ما يشبه غرفة عمليات سياسية واجتماعية تعمل على بناء شبكات من العلاقات والارتباطات المالية مع شخصيات وقوى قبلية وسياسية داخل اليمن، بهدف خلق مراكز نفوذ مرتبطة بمصالح السعودية أكثر من ارتباطها بالمرجعيات القبلية التقليدية، وكان أخطر ما استهدفته هذه السياسة، بحسب منتقديها، ليس الأشخاص وحدهم، بل المنظومة الأخلاقية والقيمية التي قامت عليها القبيلة اليمنية عبر قرون طويلة، ففي الأعراف اليمنية الأصيلة، لا يصبح الرجل شيخًا بالمال أو بالقرار السياسي أو بالدعم الخارجي، وإنما يكتسب مكانته من خلال تاريخه الشخصي، وقدرته على الإصلاح بين الناس، وحماية المظلوم، وتحمل المسؤولية الاجتماعية، والدفاع عن مصالح قبيلته ووطنه، فالشيخ في الوعي القبلي اليمني هو الحَكَم عند الخصومات، والملجأ عند الشدائد، وصاحب المبادرات في الصلح، وحامل قيم الكرم والشجاعة والحكمة، وهي صفات تتراكم عبر سنوات طويلة من الحضور الاجتماعي والسلوك الأخلاقي، غير أن منتقدي سياسة اللجنة الخاصة يرون أنها عملت على إحداث تحول جذري في هذا المفهوم، عبر صناعة قيادات قبلية ارتبط نفوذها بالدعم المالي والامتيازات السياسية أكثر من ارتباطها بالإجماع القبلي أو الرصيد الاجتماعي الحقيقي.
تفكيك التماسك القبلي .. البوابة إلى السيطرة على اليمن
يرى كثير من المحللين اليمنيين أن الهدف الأخطر لم يكن مجرد بناء علاقات مع بعض المشايخ أو الشخصيات النافذة، بل تفكيك التماسك القبلي نفسه، باعتباره العقبة الكبرى أمام أي مشروع للهيمنة على اليمن وثرواته ومقدراته، فالقبيلة المتماسكة تمتلك قدرة عالية على مقاومة الضغوط الخارجية، بينما تؤدي الانقسامات الداخلية إلى خلق بيئة قابلة للاختراق والتأثير وإعادة التوجيه، ومن هنا برزت، وفق هذا التحليل، سياسة تقوم على مبدأ “فرّق تسد”، عبر مسارين متوازيين، المسار الأول تمثل في تغذية النزاعات والثارات والخلافات المحلية وإبقاء بعضها مفتوحًا، بما يؤدي إلى استنزاف المجتمع وإشغاله بصراعات داخلية بعيدة عن القضايا الوطنية الكبرى، أما المسار الثاني فتمثل في إضعاف جهود الصلح والوساطة الاجتماعية، ومنع تشكل مرجعية قبلية وطنية موحدة قادرة على توحيد الموقف اليمني بعيدًا عن التأثيرات الخارجية، وكانت الفكرة الأساسية، تقوم على أن السيطرة على الثروات والمواقع الجيوسياسية المهمة في اليمن تصبح أكثر سهولة في ظل مجتمع منقسم وقبائل متنافسة، بينما يصبح الأمر بالغ الصعوبة في ظل قبيلة متماسكة تمتلك قرارها المستقل.
لماذا أخفقت محاولات الاختراق؟
رغم عقود طويلة من النفوذ السياسي والمالي للسعودية الا أن القبيلة اليمنية احتفظت بجزء كبير من بنيتها الأصيلة وأعرافها التاريخية، وأن اللحظات المصيرية كانت دائمًا تعيد إحياء قيم التضامن والفزعة والصلح والدفاع عن الأرض والكرامة، ومع كل أزمة كبرى، كانت الأعراف والأسلاف تعود إلى الواجهة، بينما تتراجع الشخصيات التي استند نفوذها إلى الدعم الخارجي أو المصالح المؤقتة، وقد أثبتت التجربة اليمنية، أن القبيلة اليمنية تمتلك قدرة استثنائية على استعادة توازنها الداخلي كلما تعرضت البلاد لتهديدات وجودية، وأن محاولات إعادة تشكيلها أو توجيهها من الخارج غالبًا ما تصطدم بعمق جذورها في المجتمع اليمني.
القبيلة اليمنية والتحولات الراهنة
خلال السنوات الأخيرة، عادت القبيلة اليمنية لتؤدي أدوارًا محورية في المشهد اليمني، سواء في جهود الوساطة الداخلية أو في التعبئة المجتمعية أو في دعم المواقف الوطنية والقومية، كما برز حضورها في المواقف المرتبطة بالحرب في فلسطين وتطورات طوفان الأقصى، باعتبارها جزءًا من الامتداد الشعبي والاجتماعي للمواقف اليمنية تجاه قضايا الأمة.
ختاما ..
تجمع هذه القراءة السياسية على أن القبيلة اليمنية لم تكن هدفًا بسبب ضعفها، بل بسبب قوتها وتأثيرها وقدرتها على حماية استقلال القرار الوطني، ولذلك ظل اختراق القبيلة أو تفكيك تماسكها يمثل المدخل الذي راهنت عليه مشاريع النفوذ ودول العدوان على رأسها السعودية للوصول إلى اليمن وثرواته ومقدراته وموقعه الاستراتيجي، غير أن التجربة اليمنية، بحسب أنصار هذا الطرح، أثبتت أن القبيلة اليمنية ليست مجرد بنية اجتماعية قابلة للبيع والشراء، بل منظومة من القيم والهوية والذاكرة التاريخية، وأن محاولات تحويلها إلى أداة للنفوذ الخارجي اصطدمت مرارًا بصلابة المجتمع اليمني وتجذر ثقافته القبلية، وبقيت الحقيقة التي تتكرر في كل مرحلة من مراحل التاريخ اليمني واضحة وثابتة، من يفشل في كسر القبيلة اليمنية، يصعب عليه إخضاع اليمن أو السيطرة على قراره الوطني، لأن القبيلة بالنسبة لليمنيين ليست مجرد انتماء اجتماعي، بل جزء أصيل من هوية وطنية ضاربة الجذور في التاريخ.
يمانيون.