جريمة إحراق المصحف في أمريكا.. حين تتحول الإساءة للمقدسات إلى وقود للتطرف السياسي
لم تعد الإساءة إلى المصحف الشريف في الولايات المتحدة مجرد حوادث متفرقة تظهر ثم تختفي، بل باتت وقائع متكررة ترتبط في عدد من الحالات بنشاط شخصيات وتيارات سياسية من أقصى اليمين الأمريكي، تستخدم الاستفزاز الديني وسيلة لجذب الانتباه وتحقيق مكاسب إعلامية وانتخابية، في مشهد يضع ادعاءات حرية التعبير والمساواة أمام اختبار حقيقي عندما يتعلق الأمر باستهداف عقيدة أكثر من ملياري مسلم.
وفي كل مرة تُحرق فيها نسخة من القرآن الكريم أو تُستخدم في مشهد مهين، لا تتوقف القضية عند حدود الورق الذي تلتهمه النار؛ فالمشهد يتحول إلى رسالة سياسية مشحونة، وإلى مادة دعائية تستهدف جمهوراً واسعاً، وتعيد فتح ملف طويل من الاعتداءات الرمزية على المقدسات الإسلامية، في وقت تتسع فيه مساحة الخطاب المعادي للإسلام في بعض الأوساط السياسية والشعبية الغربية.
من فعل استفزازي إلى ظاهرة متكررة
تكمن خطورة هذه الوقائع في تكرارها وتطور أساليبها.. ففي الولايات المتحدة ظهرت خلال السنوات الأخيرة حالات متعددة اتخذ فيها متطرفون وناشطون من حرق القرآن أو تدنيسه أداة للاستفزاز السياسي والإعلامي. ومن بين الأسماء التي ارتبطت بهذه الممارسات الناشط اليميني الأمريكي جيك لانغ، الذي ظهر في احتجاجات معادية للإسلام في ديربورن بولاية ميشيغان في مايو 2026. وتوثق مصادر إعلامية مشاركته في احتجاجات تضمنت استفزازات موجهة ضد المسلمين.
وقبل ذلك، ظهر لانغ في احتجاج بمدينة بلانو في تكساس خلال ديسمبر 2025، حيث ارتبط اسمه بمشهد استخدمت فيه نسخة من القرآن بطريقة مهينة خلال تظاهرة معادية للإسلام، في واقعة أثارت انتقادات واسعة.
وهنا تبرز مسألة تتجاوز الشخص نفسه: عندما تصبح الإساءة إلى كتاب مقدس جزءاً من عرض سياسي مصمم للتصوير والبث عبر منصات التواصل، فإن الاستفزاز يتحول إلى أداة لصناعة المشاهدة واستقطاب المؤيدين ورفع الحضور السياسي.
القرآن في قلب الحملات الاستفزازية
لم يكن لانغ حالة منفردة في هذا السياق.. ففي أغسطس 2025، نشرت المرشحة السياسية الأمريكية فالنتينا غوميز مقطعاً مصوراً ظهرت فيه وهي تحرق نسخة من القرآن باستخدام قاذف لهب، وربطت المشهد بخطاب سياسي معادٍ للإسلام. وقد حظيت الواقعة بتغطية إعلامية واسعة وانتقادات باعتبارها توظيفاً صادماً للكراهية الدينية في النشاط السياسي.
وبذلك يظهر نمط لافت: المقدس الإسلامي يتحول لدى بعض المتطرفين إلى أداة لاستعراض المواقف السياسية.
فبدلاً من طرح برنامج انتخابي أو مناقشة قضية عامة، يصبح حرق كتاب مقدس وسيلة لصناعة مقطع قابل للانتشار، واستفزاز الخصوم، واستقطاب جمهور غاضب، وتحويل الكراهية إلى محتوى سياسي.
من ميشيغان إلى تكساس.. الجغرافيا تتغير والمشهد يتكرر
وتكشف الوقائع المتتابعة أن المسألة لم تعد مرتبطة بمدينة أو ولاية واحدة.. من ديربورن في ميشيغان، حيث شهدت المدينة احتجاجات استهدفت المسلمين، إلى بلانو في تكساس، حيث ظهرت مشاهد تدنيس القرآن الكريم، ثم إلى حالات أخرى شهدتها الولايات المتحدة وخارجها، يتكرر المشهد بأشكال مختلفة: تجمع، كاميرا، خطاب استفزازي، ورمز ديني إسلامي يوضع في قلب المشهد.
وفي مايو 2026، شهدت ديربورن تحركاً احتجاجياً معادياً للإسلام ارتبط باسم لانغ، فيما تجمع مئات الأشخاص في المقابل دعماً للمجتمع المسلم ورفضاً للتحريض الديني.
وهذا الجانب مهم للغاية؛ لأن الصورة الكاملة لا تتكون من فعل المتطرف وحده، بل أيضاً من رد المجتمع عليه.
ففي مواجهة الاستفزاز، ظهرت أصوات أمريكية ومسلمة ومسيحية ومدنية رفضت تحويل الدين إلى مادة للكراهية، مؤكدة أن حرية التعبير لا ينبغي أن تصبح غطاءً للتحريض أو الاعتداء على جماعة دينية.
حرية التعبير.. أين تنتهي؟
تطرح هذه الوقائع سؤالاً مركزياً في المجتمعات الغربية: هل تكفي عبارة “حرية التعبير” لتبرير كل أشكال الاستفزاز الديني؟
فالولايات المتحدة تتمتع بحماية واسعة لحرية التعبير، ولذلك قد تكون بعض الأفعال المسيئة محمية قانونياً حتى عندما تكون مستفزة أو مهينة. لكن الحماية القانونية لا تعني بالضرورة أن الفعل يحظى بالقبول الأخلاقي أو الاجتماعي.
وهنا تكمن المفارقة.
إذ يمكن أن يكون الفعل مسموحاً به قانونياً، وفي الوقت نفسه مداناً أخلاقياً ومرفوضاً اجتماعياً.
والسؤال لا يتعلق بالقرآن وحده؛ فالمبدأ نفسه ينطبق على مختلف الكتب والمقدسات والرموز الدينية عندما يكون الهدف من استهدافها إذلال أتباعها أو التحريض عليهم.
عندما تدخل السياسة على خط المقدسات
الأكثر إثارة للقلق في هذه الوقائع هو تداخل الاستفزاز الديني مع النشاط السياسي.
فبعض الأسماء المرتبطة بهذه الممارسات ليست شخصيات مجهولة تماماً، وإنما ناشطون أو مرشحون سياسيون يستخدمون المنصات العامة لبناء حضورهم.
وتكشف حالة غوميز بوضوح عن هذا التداخل؛ فقد جاءت واقعة إحراق القرآن في سياق نشاط سياسي وإعلامي، وتحولت إلى مادة دعائية واسعة الانتشار.
أما لانغ، فقد ارتبط نشاطه أيضاً بحملات واحتجاجات معادية للإسلام، وهو ما دفع السلطات المحلية في تكساس، في يونيو 2026، إلى إصدار أمر يمنعه من دخول الولاية باستثناء حالات محددة مرتبطة بإجراءات قضائية، وفق تقارير عن قضية منفصلة.
وهكذا يصبح السؤال أكثر تعقيداً:
هل يتحول الاستفزاز الديني إلى وسيلة انتخابية عندما يكتشف صاحبه أن أكثر المقاطع انتشاراً هي تلك التي تضرب أعمق مشاعر الجمهور؟
إرث طويل من حرق المصحف
ولا يمكن فهم المشهد الأمريكي بمعزل عن تاريخ أطول من حوادث حرق القرآن في الغرب.
ففي عام 2010 أعلن القس الأمريكي تيري جونز عزمه تنظيم فعالية لحرق القرآن في فلوريدا، قبل أن ينفذ لاحقاً عمليات حرق للقرآن في عامي 2011 و2012، ما تسبب في موجات غضب واحتجاجات واسعة خارج الولايات المتحدة.
ومنذ ذلك الحين، لم تختفِ الظاهرة تماماً، وإنما عادت في صور مختلفة، وتداخلت بصورة أكبر مع نشاط اليمين المتطرف والحملات السياسية ومحتوى وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي هذه المرحلة تحديداً، أصبحت الكاميرا جزءاً أساسياً من المشهد.
فالمقصود لم يعد مجرد إحراق نسخة من كتاب مقدس، وإنما تصوير الإحراق، نشره، تحقيق الانتشار، ثم تحويل ردود الفعل الغاضبة إلى وقود إضافي للمحتوى.
الاستفزاز كاقتصاد للانتباه
في عصر المنصات الرقمية، يمكن للاستفزاز أن يتحول إلى سلعة سياسية.
كلما كان المشهد أكثر صدمة، ارتفعت فرص انتشاره.
وكلما ارتفعت ردود الفعل عليه، زادت مشاهداته وتفاعلاته.
ومن هنا يمكن تفسير جانب من إصرار بعض الشخصيات المتطرفة على إعادة إنتاج المشهد، حتى بعد أن يصبح معروفاً ومكرراً.
إنها دائرة تبدأ بالاستفزاز وتنتهي بالانتشار، ثم تعود مرة أخرى إلى استفزاز جديد.
وهذه الدائرة لا تخدم فقط صاحب الفعل؛ بل تستفيد منها أيضاً المنصات التي تقوم على اقتصاد التفاعل، حيث تتحول مشاعر الغضب والخوف والاستفزاز إلى مشاهدات وتعليقات ومشاركات.
من الإساءة إلى المسلمين إلى أزمة قيم
لكن الخطر الأعمق لا يكمن في النسخة المحترقة من القرآن وحدها، وإنما في الرسالة التي يحاول أصحاب هذه الأفعال إيصالها إلى المسلمين.
عندما يُستخدم المقدس الإسلامي في خطاب سياسي معادٍ للمسلمين، فإن الهدف لا يكون دائماً مهاجمة عقيدة مجردة، بل قد يتحول إلى رسالة إذلال واستفزاز لجماعة بشرية كاملة.
ولهذا فإن رفض هذه الأفعال لا ينبغي أن يكون محصوراً في المسلمين وحدهم.
فالدفاع عن حرية المعتقد ورفض التحريض الديني لا يعني الدفاع عن دين بعينه؛ وإنما يعني الدفاع عن مبدأ اجتماعي أوسع: ألا تتحول العقيدة إلى ذريعة لإهانة أتباعها أو التحريض عليهم.
القرآن.. كتاب يتجاوز الورق
بالنسبة للمسلمين، لا يمثل القرآن الكريم مجرد كتاب ديني يمكن التعامل معه كأي مادة مطبوعة.
إنه النص المركزي في العقيدة الإسلامية، ومصدر التشريع والهداية والعبادة، ولذلك فإن حرقه أو تدنيسه يحمل لدى المسلمين معنى يتجاوز الفعل المادي ذاته.
ولهذا فإن مشاهد حرق المصحف لا يمكن فصلها عن ردود الفعل الشعبية التي ترافقها في العالم الإسلامي.
من الاحتجاجات الشعبية إلى البيانات الرسمية، ومن حملات التضامن إلى الدعوات لمقاطعة الجهات التي ترتبط بالمسيئين، تتحول الواقعة الصغيرة جغرافياً إلى قضية عابرة للحدود.
اليمن.. تحويل الغضب إلى موقف شعبي
وفي اليمن، اكتسبت قضايا الإساءة إلى القرآن والمقدسات الإسلامية حضوراً واسعاً في الخطاب الشعبي والسياسي، حيث شهدت البلاد خلال السنوات الماضية فعاليات ومسيرات جماهيرية تندد بالإساءات المتكررة للقرآن والنبي محمد صلوات الله عليه وعلى آله، وتعتبر الدفاع عن المقدسات قضية مرتبطة بالهوية والكرامة.
وبصرف النظر عن المواقف السياسية المتباينة من مختلف الأطراف، فإن الحضور الشعبي لهذه القضية يعكس حقيقة واضحة: المقدسات الدينية لا تزال قادرة على تحريك مشاعر الملايين عندما يشعرون بأنها مستهدفة أو مهانة.
بين الغضب ورد الفعل المسؤول
ومع اتساع موجات الاستفزاز، تبرز الحاجة إلى التمييز بين رفض الجريمة وبين الانجرار إلى العنف.
فإدانة حرق القرآن لا تعني استهداف أتباع دين آخر، كما أن رفض الإسلاموفوبيا لا يبرر الكراهية تجاه اليهود أو المسيحيين أو أي جماعة دينية أو عرقية.
المشكلة هنا ليست في دين كامل أو شعب بأسره، وإنما في أيديولوجيات وأفراد وتيارات تستخدم الكراهية الدينية أداة للصراع السياسي والاستقطاب.
وهذه نقطة أساسية؛ لأن تعميم المسؤولية على جماعات دينية بأكملها يخدم في النهاية منطق الكراهية نفسه الذي يفترض أن ترفضه المجتمعات.
السؤال الذي يبقى مفتوحاً
تكرار هذه الوقائع يضع المؤسسات السياسية والإعلامية والمنصات الرقمية أمام مسؤولية كبيرة.
فإذا كانت القوانين تحمي حرية التعبير، فإن المجتمعات تظل قادرة على رسم حدودها الأخلاقية والسياسية، وعلى رفض تحويل المقدسات إلى أدوات للاستفزاز الانتخابي.
والسؤال الأهم ليس فقط: هل يمكن منع شخص من إحراق المصحف؟
بل:
هل يمكن منع تحويل الكراهية الدينية إلى مشروع سياسي مربح؟
وهل تستطيع المجتمعات أن ترفض الاستفزاز دون أن تقع في فخه؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد، إلى حد بعيد، ما إذا كانت حوادث حرق القرآن ستبقى أفعالاً هامشية يرتكبها متطرفون بحثاً عن الشهرة، أم ستتحول إلى ظاهرة سياسية أكثر اتساعاً تستثمر الانقسام الديني لتحقيق مكاسب انتخابية وإعلامية.
وفي النهاية، يبقى إحراق المصحف الشريف فعلاً مستفزاً ومهيناً لملايين المسلمين، ويجب مواجهته بكل الطرق الممكنة، وباستخدام أكثرها فاعلية وتأثير، وأيضا يجب كشف دوافع هذا الفعل القبيح والمدان، وتعرية توظيفه السياسي، ومساءلة من يحوله إلى أداة للتحريض.
٢١ سبتمبر .