التحصين القرآني للأمة ضد الاختراق الصهيوني.. قراءة السيد القائد لمعركة الوعي والمواجهة


في محاضرته الثانية ضمن سلسلة “إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم”، قدّم السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي قراءة قرآنية عميقة لطبيعة الصراع الذي تواجهه الأمة الإسلامية، محددًا بوضوح جذور الاختلال الداخلي الذي مكّن أعداء الأمة من التغلغل والسيطرة، ومبينًا أن القرآن الكريم لا يكتفي بتشخيص الخطر، بل يبني منظومة متكاملة لتحصين الأمة فكريًا ونفسيًا وعمليًا وأمنيًا في مواجهة المشروع الصهيوني.

وجاءت المحاضرة في توقيت بالغ الحساسية، في ظل ما تتعرض له الأمة من حروب شاملة عسكرية وإعلامية وثقافية وأمنية، حيث ركّز السيد القائد على أن المعركة مع اليهود الصهاينة ليست طارئة ولا محدودة، وإنما معركة ممتدة وشاملة تستهدف دين الأمة وهويتها ووعيها ومقدساتها وسيادتها.

القرآن يكشف طبيعة العدو ومسار الصراع

وأكد السيد القائد أن المتأمل في القرآن الكريم يلحظ بوضوح المساحة الواسعة التي أفردها الحديث عن فريق الشر من أهل الكتاب، وفي مقدمتهم اليهود، باعتبار ذلك جزءًا من المنهجية الإلهية في كشف طبيعة العدو الحقيقي للأمة.

وأوضح أن القرآن قدّم تشخيصًا دقيقًا لخلفيات هؤلاء الأعداء ونفسياتهم وأساليبهم العدائية، إلى جانب رسمه لمسار الصراع التاريخي معهم، وتقديمه للهداية العملية التي تمكّن الأمة من مواجهة خطرهم وإفشال مخططاتهم.

وبيّن أن خطورة المشروع الصهيوني لا تقتصر على جانب سياسي أو عسكري فحسب، بل تستهدف الأمة في دينها ودنياها، وتسعى لتدمير عناصر قوتها المادية والمعنوية، وإفساد واقعها الثقافي والأخلاقي، والسيطرة عليها بكل الوسائل.

أزمة الأمة تبدأ من الداخل

وفي تشخيصه لأسباب حالة الضعف والتفكك التي وصلت إليها الأمة الإسلامية، شدد السيد القائد على أن جوهر الأزمة يكمن في ضعف الاهتداء العملي بالقرآن الكريم، وغياب التسليم الحقيقي لتوجيهات الله سبحانه وتعالى.

وأوضح أن الهداية القرآنية لا تتحقق بمجرد التلاوة أو المعرفة النظرية، وإنما تقوم على ثلاثة أسس رئيسية: الإصغاء، والتفهم، والالتزام العملي الصادق بهدى الله.

وأشار إلى أن فقدان هذه الركائز يجعل الإنسان عرضة للتضليل والانحراف والتأثر بالحملات الإعلامية والنفسية التي يشنها الأعداء، مهما كانت الأدلة والآيات والشواهد واضحة أمامه.

واستشهد السيد القائد بقصة بني إسرائيل وما وقعوا فيه من ضلال رغم مشاهدتهم للمعجزات الكبرى، مؤكدًا أن المشكلة لم تكن في نقص الآيات، بل في غياب التفاعل الحقيقي مع هدى الله والتسليم العملي له.

“راعنا”.. درس قرآني في إغلاق الثغرات

وتوقفت المحاضرة مطولًا عند دلالات الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا}.

وأوضح السيد القائد أن هذه الآية تكشف منهجية قرآنية متقدمة في التعامل مع الأعداء، تقوم على إغلاق الثغرات مبكرًا، وعدم منح العدو أي مساحة للاختراق أو الإساءة أو التلاعب.

وبيّن أن اليهود كانوا يستغلون كلمة “راعنا” للإساءة الخفية إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فجاء التوجيه الإلهي الحاسم بمنع استخدامها نهائيًا، رغم أن الإساءة لم تكن معلنة بشكل مباشر.

وأكد أن هذا النموذج القرآني يرسخ مبدأ الوعي الاستباقي، ويعلّم الأمة أن مواجهة الأعداء لا تكون بردود الفعل المتأخرة، وإنما بالحذر واليقظة وإقفال المنافذ التي يمكن النفاذ منها لاستهداف الأمة.

فجوة خطيرة بين التربية القرآنية وواقع الأمة

وفي سياق نقده لواقع الأمة الإسلامية اليوم، حذر السيد القائد من حالة الغفلة والإعراض والتجاهل التي سمحت للمشروع الصهيوني بالتوسع والهيمنة.

وأشار إلى وجود فجوة هائلة بين مستوى الوعي والحذر الذي يربي عليه القرآن الكريم، وبين حالة التهاون السائدة في الواقع الإسلامي، رغم حجم الجرائم والمؤامرات والحروب المفتوحة التي يشنها العدو الصهيوني ضد فلسطين ولبنان واليمن وسائر الأمة.

وأوضح أن الأعداء يعملون على مختلف المسارات؛ عسكريًا، وإعلاميًا، وثقافيًا، وأمنيًا، واقتصاديًا، بينما لا يزال كثيرون يتعاملون مع الخطر الصهيوني بعقلية التبسيط أو اللامبالاة أو الانتظار.

بناء الجبهة الداخلية وإحباط الاختراق

وركّز السيد القائد بصورة لافتة على أهمية تحصين الجبهة الداخلية باعتبارها أساس الصمود والانتصار، مؤكدًا أن العدو يركز بشكل كبير على الاختراق الأمني والتضليل الإعلامي وإثارة الفوضى والبلبلة داخل المجتمعات.

وأوضح أن حماية الأمة تبدأ من الوعي، ومن الالتزام بالإجراءات والتدابير التي تسد الثغرات وتمنع العدو من تحقيق أهدافه التخريبية.

وأشار إلى أن الأعداء يسعون دائمًا لاختراق البيئات والمجالات الحساسة، سواء عبر التجسس أو التضليل أو إثارة العوائق والمشاكل، مؤكدًا أن إفشال هذه المخططات مرهون ببناء وعي قرآني متماسك، والتعامل بجدية ومسؤولية مع متطلبات المواجهة.

القرآن.. طريق العزة والتحرر

وفي خلاصة محاضرته، أكد السيد القائد أن القرآن الكريم يقدم للأمة منهجًا متكاملًا للعزة والتحرر والصمود، وأن الخلل الحقيقي يبدأ حين تخضع الأمة تقييمها ومواقفها للمزاج الشخصي والنظرة القاصرة بدلًا من التسليم لهدى الله.

وشدد على أن الصراع مع المشروع الصهيوني يتطلب مستوى عاليًا من الوعي والحذر والالتزام العملي، وأن الأمة حين تعود إلى القرآن بمنهجه التربوي والعملي ستتمكن من سد الثغرات، وإفشال مخططات الأعداء، واستعادة عناصر قوتها ومكانتها الحضارية والجهادية.