اليمن يفاقم عُقدة العدو الإسرائيلي الاستخباراتية
تقرير| وديع العبسي
مرة أخرى يقدم العدو الصهيوني شاهداً على حجم الإحباط الذي يعيشه لناحية الحصول على أي فرصة تمكنه من اختراق الجبهة اليمنية الداخلية. فبعد الانسحاب المذل لأمريكا من مواجهتها مع اليمن، ثم إعلان ما أسموه باتفاق وقف إطلاق النار في غزة، عاد العدو الإسرائيلي إلى طريقته التقليدية في محاولة اختراق مجتمعات المنطقة والمتمثلة بتجنيد العناصر للحصول على المعلومات.
ومع الحسابات الساذجة بأن اليمن -عقب وقف إطلاق النار في غزة وتراجع هجمات قواته المسلحة في البحر الأحمر- سيولد حالة من الفتور في همة النزال، ظن أن بيئة التحرك داخل المجتمع باتت مهيئة للقيام بالمهمة التي تُعد الأساس لأي عمليات عسكرية لاحقة، وهي الحصول على المعلومة بإنشاء خلايا للتجسس وتفعيل عناصر عمل نائمة، ليصطدم كالعادة بجبهة متماسكة وعصية على الاختراق.
مساء السبت أعلن جهاز الأمن والمخابرات عن إلقاء القبض على عدد من العناصر التي عملت بصورة مباشرة مع مخابرات العدو الإسرائيلي، ليزيد هذا الإنجاز الأمني من مراكمة حالات الفشل لدى العدو، فيما راكم الخبرة والاقتدار لدى الجهاز الأمني والمخابراتي اليمني. الاقتدار الذي قرأ فيه العالم -خلال إحباط عمليات وخلايا تجسسية سابقة- تعقيداً ملحوظاً يزيد -باستمرارٍ- في إغراق الكيان الإسرائيلي في وحل الفشل، كما يضرب جهازين من أعتى أجهزته الاستخباراتية والتجسسية: جهاز الاستخبارات العسكرية (أمان)، وجهاز الاستخبارات والمهمات الخاصة (الموساد)، وجهات إسرائيلية أخرى، حسب بيان الأمن والمخابرات.
يؤكد الخبراء بأن اليمن يسجل في العمل الاستخباراتي تفوقاً استثنائياً على الكيان “الإسرائيلي” وأمريكا مجتمعتين، باعتبار أن الأخيرة هي الداعم والمظلة لكل تحركات الكيان. ويرسخ هذا الاستخلاص لدى الخبراء لجوء أمريكا و”إسرائيل” بكل دناءة بعد تكرار حالات الفشل إلى استغلال وتوظيف حتى العاملين في المجال الإنساني كواحدة من الخيارات أو البدائل المتاحة لتحقيق الاختراق. حدث ذلك عندما استعانت بالعاملين في الأمم المتحدة في توجه استنكره كل العالم، وأخذ عن جدارة توصيف “العمل الدنيء”، ففي نهاية العام الماضي تم القبض على عدد من العاملين التابعين للأمم المتحدة بعد إدانتهم بالتجسس لصالح الكيان الصهيوني.
وتأخذ الضربة الجديدة للعمل التجسسي “الإسرائيلي” مداها المدوي من كونها تزيد من تعرية كذبة “الموساد” الذي صورته “هوليوود” بأنه الجهاز الذي لا يقف أمامه عائق، وهو الذي يتسق مع التوجه العام لتصوير الكيان الإسرائيلي كحالة استثنائية وإعجازية في كل المجالات، فقدموه كأقوى جيش، وأقوى دفاع، وأقوى استخبارات، وقدرة على التأثير، إلى آخر التوصيفات، وتصديره لقوائم التفضل، حتى صار كائناً خرافياً في العقلية العالمية، وعلى نحو أكثر العربية والإسلامية.
ثم جاء العمل العسكري ضده إسناداً لغزة سواء من قبل اليمن أو باقي المحور، ليؤكد حالة الانكشاف لكل تلك التوهمات، وظهر كياناً هزيلاً في عصابته المسلحة التي يسمونها “جيشاً”، وفي مجتمع الغاصبين الذين تم تجميعهم من أراضي الشتات حول العالم، يفرون وقت الخطر إلى تحت الأرض.
وعلى ذات الشكل ظهرت أيضاً أمريكا أقل بكثير جداً من تلك الهالة التي جعلت منها رسماً أشبه بعوالم مسلسلات الأطفال الكرتونية الخيالية، فأكدت حروبها الأخيرة في المنطقة أن صدارتها للنظام العالمي إنما جاءت في لحظة صادمة للعالم، عندما تجرأت على إبادة مدن بأكملها بسكانها، فأرهبت العالم بالقنبلة الذرية والسلاح النووي.
لا يختلف العالم في أن واشنطن تمتلك أكبر مقومات القوة العسكرية والاقتصادية، لكنه أيضاً لا يختلف في أن هذه الدولة تقع على الصدارة وبلا منافس في السقوط الإنساني الأخلاقي، فهي التي تُصدّر للعالم كل مفاهيم التحلل من كل القيم، وهي التي تتجرأ في الحديث عن تخطيطها للقتل، أو الإعلان عن رغبتها في نهب ثروات الشعوب أو أراضيها، دون اعتبار لحق هذه الشعوب السيادي. وللاستمرار في هذه المنهجية كان لا بد من زراعة الخوف لدى الآخرين، وإقناعهم بأن أمريكا تعلم بكل شيء وقادرة على كل شيء، والعياذ بالله.
ولأن اليمن قرر قطع خيوط التبعية والارتهان فإنه أمكن له أن يرى الأمور كما هي عليه في الواقع، بعيداً عن التأثر بالسرديات الخرافية لما عليه أمريكا والكيان الصهيوني، كما مكنه الإصرار على التحرر والاستقلال من تبديد تأثير السحر الأمريكي، والتوجه لبناء قدراته فكان من ذلك القدرات الاستخباراتية، ليس فقط على صعيد كشف التحركات وخيوط المحاولات لاستهداف البلد، وإنما أيضاً على صعيد إعماء العدو عن الحصول على المعلومات.
تعزز العملية الأمنية الجديدة، بضبط عناصر تعمل للعدو الإسرائيلي، من عقدة جبهة الشر التي تجتهد بأكثر من شكل لإيقاف هذا التنامي الذي يشهده اليمن في القوة والثقة، وفي القدرة الفعلية على تحقيق الإنجازات العسكرية الإستراتيجية، فهذا الأمر يعني ولادة قوة إقليمية بمقدورها التأثير في واقع المنطقة وتشكيل مصدر قلق لأعداء الأمة.
وكان الإنجاز الأمني السابق نهاية العام الماضي، حين ألقت الأجهزة الأمنية القبض على شبكة تجسس تعمل لصالح الولايات المتحدة و”إسرائيل” وتتبع غرفة عمليات مشتركة بين المخابرات الأمريكية والموساد الإسرائيلي والمخابرات السعودية. وقد تورطت “في سفك دم المدنيين اليمنيين في عدة عمليات شنها العدو الأمريكي والإسرائيلي على المساكن والأسواق والأماكن العامة”، حسب بيان بالعملية لوزارة الداخلية، أشارت فيه إلى أن “ذلك أتى في ظل تصعيد العدوان على اليمن لمحاولة إيقاف الإسناد لغزة”.
ويبقى الشعب اليمني العامل المشترك الذي ساهم في تحقيق مثل هذه الإنجازات النوعية، فاليقظة والوعي مثلت أول طبقات جدار الصد دون مرور هذه المحاولات للنيل من البلاد، وهذا ما كانت تؤكد عليه بيانات الإعلان عن عمليات الضبط للخلايا التجسسية.
وفي إنجاز جهاز الأمن والمخابرات، أكد بيان الإعلان بأن تعاون ويقظة ووعي أبناء الشعب اليمني المجاهد العزيز “كان ولا يزال السد المنيع في وجه كل المشاريع التآمرية والتخريبية للأعداء”، ودعا البيان “كافة أبناء شعبنا اليمني للمزيد من اليقظة والوعي”.
فاعلية الشعب اليمني في القيام بمسؤوليته في هذا الوقت الحساس الذي يتعرض فيه الوطن والأمة الإسلامية لمخاطر المؤامرات، إنما يعكس مستوى الاستشعار بضرورة الانخراط في مهمة حماية الوطن وجبهته الداخلية من أي اختراق، باعتبار أن المخاطر المحدقة تستهدف كل الوطن، سيادته ومقدراته ما يعني وقوع الجميع ضحايا لهذه المؤامرات إذا ما كُتب لها المرور.
موقع أنصار الله.