علاقة اليمن بإيران عبر التاريخ


الجوف نت / مقالات 

بقلم / القاضي علي عبدالمغني

الحقيقة أن علاقة اليمن بإيران ليست من اليوم، إنها تعود إلى ما قبل الإسلام؛ فحينما كانت القبائل البدوية في شمال الجزيرة العربية تتقاتل فيما بينها على ناقة أو جمل، وتجري في الصحراء بحثًا عن الماء والمرعى، كانت قصور اليمن وإيران تلامس عنانَ السماء، وكان ملوك فارس وسبأ يعقدون الاتفاقيات والتحالفات لمواجهة ملوك روما وأثينا.

وفي عهد الملك الحميري سيف بن ذي يزن، تعرضت اليمن لغزو حبشي، فاستعان سيف بن ذي يزن بكسرى ملك فارس، فأرسل له قوة كبيرة تمكّنت من إخراج القوات الحبشية من اليمن. فتوجّه جدّ النبي محمد -صلوات الله عليه وعلى آله- عبدالمطلب بن هاشم من مكة إلى اليمن لتهنئة سيف بن ذي يزن بهذا الانتصار.

وظل باذان، مبعوث كسرى في صنعاء، حتى جاء إليها مبعوث رسول الله، علي بن أبي طالب -عليه السلام-، يدعو أهل اليمن إلى الدخول في الإسلام، فدخلوا فيه جميعًا كما قال الله: «أفواجًا»، وبعد هلاك كسرى، دخلت فارس في الإسلام أيضًا.

وشكّل دخول أهل اليمن وفارس قفزة كبيرة في انتشار الإسلام، فهم -دون غيرهم من شعوب المنطقة- كانوا أصحاب حضارة، فوظّفوا خبراتهم العسكرية والسياسية في خدمة الدولة الإسلامية، وقادوا الفتوحات في أرجاء المعمورة، بينما كان بنو أمية في مكة يخططون للوصول إلى السلطة.

وحينما تمكّن معاوية من الاستيلاء على الخلافة، وحوّلها إلى ملكية وراثية، عاد أهل اليمن وأهل فارس إلى ديارهم للحفاظ على دينهم وإسلامهم، وأعلنوا استقلالهم عن دولة بني أمية وبني العباس وغيرهم، فشكّلت اليمن وإيران ملاذًا آمنًا لأهل البيت -عليهم السلام- من ملاحقة السلطات الظالمة.

وهما البلدان الوحيدان اللذان حكمهما أئمة أهل البيت قرونًا طويلة، وكانت بينهما اتفاقيات دفاعية وثقافية مشتركة، لا تزال آثارها باقية في البلدين إلى اليوم؛ فقبور اليمنيين في إيران لا تزال مشهورة ومزورة، وكذلك قبور الإيرانيين في اليمن، ولا يزال أحفادُهم في البلدين يفتخرون بأصولهم الكريمة.

لذلك، ليس غريبًا أن يلتقيَ اليوم أهل اليمن وأهل إيران على نصرة المستضعفين في فلسطين، أو أن يتصدى البلدان -دون غيرهما من البلدان والشعوب العربية والإسلامية- لكافة أعداء الأمة، وأن تلتقي كلمتهم في ميدان المواجهة.

فهما البلدان اللذان لم تتلوثْ أفكارهما وثقافتهما بما تلوثت به بقيةُ الشعوب العربية والإسلامية عبر عقود وقرون، وظلا محافظين على دينهم وقرآنهم، وقيمهم وأخلاقهم، وعاداتهم وتقاليدهم، معتزين بتاريخهم وحضارتهم وعلاقتهم بأهل البيت -عليهم السلام-، رغم التحريض والتشويه والإساءات التي تعرض لها البلدان والشعبان عبر التاريخ.

ولا شك أن كثيرًا من الشعوب العربية والإسلامية اليوم تنظر بإعجاب إلى إيران واليمن، خصوصًا بعد مواقفهما من العدوان على قطاع غزة، وتتمنى لو تمتلك قيادة بمستوى قيادتهما، لما تراه فيهما من عزة وكرامة.

فهما اليوم -بحسب هذا الطرح- في موقع الدفاع عن الإسلام والقرآن والأمة، في معركة باتت واضحة المعالم، إلا على من غابت عنه الرؤية.

والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.