محراب الدم وخرائط النفوذ.. كيف أدارت المخابرات الأمريكية مجزرة “بدر والحشحوش” انتقاماً من ثورة 21 سبتمبر المباركة


تُمثل مجزرتي مسجدي “بدر والحشحوش” في العاصمة صنعاء نقطة تحول جيوسياسية تجاوزت حدود الجريمة الإرهابية العابرة، لتكشف عن ملامح استراتيجية “الإدارة بالتوحش” التي تتبناها الدوائر الاستخباراتية الغربية في إدارة صراعات الشرق الأوسط. إن طبيعة التخطيط المتزامن، ونوعية التسهيلات اللوجستية التي رافقت التفجيرات، والقدرة على اختراق مربعات أمنية في توقيت سياسي حساس، تشير بوضوح إلى أنها لم تكن مجرد اختراق أمني من جماعات منفلتة، بل كانت عملية “هندسة اجتماعية” بالدم، جرى توظيفها ضمن استراتيجية الاستثمار الأمريكي في “الإرهاب الوظيفي”. تهدف هذه الاستراتيجية إلى تحويل الجماعات التكفيرية إلى ذراع غير رسمي للمخابرات المركزية الأمريكية (CIA)، مهمتها الأساسية خلخلة النسيج الاجتماعي للدول التي ترفض الهيمنة، مما يمنح واشنطن “شرعية تدخل” لاحقة تحت مسمى مكافحة الإرهاب، لضمان استنزاف الخصوم وإعادة صياغة خارطة النفوذ الإقليمي بما يخدم المصالح الإمبريالية.

وجاء هذا الاندفاع الأمريكي نحو الفوضى الأمنية كرد فعل انتقامي مباشر على نجاح ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر المباركة، التي انتزعت القرار السيادي اليمني من براثن الوصاية الدولية. فبعد أن فقدت واشنطن نفوذها العسكري المباشر، وسُحبت القواعد والوحدات الاستخباراتية التي كانت تعبث بالأمن القومي من قلب صنعاء وقاعدة العند، لجأت الإدارة الأمريكية إلى تفعيل “ورقة القاعدة” كخيار بديل لإغراق البلاد في أتون صراعات طائفية ومناطقية. هذا السلوك يعكس عجز الأدوات السياسية والدبلوماسية أمام وعي شعبي أسقط التبعية، مما دفع بالولايات المتحدة لاستخدام الجماعات المتطرفة كمحاولة يائسة لاستعادة التوازن المفقود عبر تفجير الاستقرار الداخلي، وتحويل دور العبادة إلى ساحات لتصفيات سياسية مغلفة بشعارات دينية زائفة، في محاولة لكسر إرادة الاستقلال التي أعلنتها الثورة.

تشريح المجزرة: أدوات “التوحش” وسياق التوقيت الاستراتيجي

عند استعراض الوقائع الميدانية لمجزرة العشرين من مارس 2015، نجد أننا أمام عملية معقدة استهدفت مسجدي “بدر والحشحوش” في لحظة واحدة، مما يشي بغرفة عمليات موحدة تدير الرصد والتنفيذ بمهنية استخباراتية عالية. الحصيلة المرعبة التي تجاوزت 140 شهيداً ومئات الجرحى، وعلى رأسهم المرجع الديني الأبرز السيد المرتضى المحطوري، لم تكن عشوائية، بل استهدفت الرأس المفكر والحاضنة الروحية التي دعمت التحرك الشعبي ضد الوصاية. إن اختيار يوم الجمعة وفي وقت الصلاة تحديداً، يهدف إلى إحداث صدمة نفسية ومجتمعية كبرى، وهي ترجمة حرفية لمبدأ “النكاية والإنهاك” الوارد في أدبيات الجماعات التكفيرية، والتي تتطابق بشكل مريب مع نظريات “الفوضى الخلاقة” التي بشرت بها كوندوليزا رايس سابقاً، حيث يتم استخدام العنف المفرط لتقويض شرعية السلطات الجديدة الناشئة عن الثورة وإظهارها بمظهر العاجز عن حماية الرموز والمواطنين.

وتشير الشواهد الفنية المتعلقة بنوعية المتفجرات المستخدمة وسرعة تبني تنظيم “داعش” للعملية في بيان احترافي تم توزيعه عبر منصات رقمية تخضع للرقابة الغربية، إلى وجود “ضوء أخضر” استخباراتي سمح بمرور هذه الخلايا وتنفيذ مهامها. التوقيت الزمني للمجزرة جاء قبل خمسة أيام فقط من انطلاق العدوان الخارجي على اليمن، مما يجعلها “عملية تمهيدية” لزعزعة الداخل وتوفير مبرر أخلاقي وأمني للتدخل العسكري المباشر بحجة مكافحة الإرهاب وتأمين الملاحة الدولية من الانهيار الأمني المزعوم. إن هذا الترابط بين الجريمة الإرهابية في الداخل والقرار السياسي في واشنطن والرياض، يثبت أن الجماعات التكفيرية ليست إلا “بيدقاً” في رقعة شطرنج تديرها المخابرات المركزية الأمريكية، لضمان استمرار تدفق الدم اليمني بما يمنع استقرار الدولة المستقلة.

وعلاوة على ذلك، فإن الوثائق الميدانية والتحقيقات اللاحقة كشفت عن وجود اتصالات وتحركات لعناصر استخباراتية كانت تعمل تحت غطاء ديبلوماسي وأمني قبل فرارها من صنعاء، كانت على صلة بتمويل خلايا “نائمة” تم تفعيلها فور سقوط أدوات الوصاية التقليدية. إن استهداف المرتضى المحطوري تحديداً، بصفته رمزاً للتعايش والوحدة الوطنية، يهدف إلى ضرب العصب الحيوي الذي يربط مختلف المكونات اليمنية، وتحويل الصراع من صراع سياسي وطني ضد الهيمنة إلى فتنة طائفية تحرق الأخضر واليابس. هذا التصميم الاستراتيجي للمجزرة يؤكد أنها لم تكن فعل “ذئاب منفردة”، بل كانت “عملية جراحية” مخابراتية كبرى نُفذت بأيدٍ محلية تكفيرية وبعقول هندسية أمريكية، تهدف إلى إعادة صياغة الواقع اليمني عبر بوابة الرعب.

الإرهاب الوظيفي: الذراع الاستخباراتية لإدارة الفراغ

تمثل الجماعات التكفيرية في العقيدة الأمنية الأمريكية ما يُعرف بـ “الإرهاب الوظيفي”، وهو الاستخدام الممنهج للعنف المتطرف لتحقيق مآرب سياسية واقتصادية دون الحاجة لتورط عسكري مباشر ومكلف. ففي أعقاب ثورة 21 سبتمبر، وجدت المخابرات المركزية الأمريكية نفسها أمام معضلة فقدان السيطرة على المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، مما استدعى استدعاء “الجيش البديل” المتمثل في عناصر القاعدة وداعش. البيانات الميدانية تؤكد أن مناطق تواجد هذه الجماعات كانت تتوسع وتتقلص بناءً على مستوى النفوذ الأمريكي في السلطة؛ فبينما كانت الطائرات بدون طيار الأمريكية تدعي استهداف قادة القاعدة، كانت العمليات الإرهابية الكبرى تجري في مناطق الثورة، في مفارقة تثبت أن واشنطن تستخدم الإرهاب كـ “عصا غليظة” لتأديب الشعوب المتمردة على إرادتها.

إن الربط الوظيفي بين “السي آي إيه” والجماعات التكفيرية يظهر جلياً في غض الطرف عن قنوات التمويل والتحشيد التي كانت تمر عبر دول حليفة لواشنطن في المنطقة، حيث يتم تحويل الأموال والأسلحة تحت مسميات “دعم المعارضة” أو “الإغاثة”، لتصل في نهاية المطاف إلى يد الانتحاريين في مسجدي بدر والحشحوش. التقارير الاستخباراتية المسربة تؤكد أن الولايات المتحدة تعتبر وجود بؤر إرهابية في الدول المناهضة لها “ميزة استراتيجية”، كونها تستنزف القدرات العسكرية واللوجستية لهذه الدول في حروب استنزاف داخلية لا تنتهي. ومن هنا، فإن مجزرة المساجد لم تكن فشلاً أمنياً يمنياً بقدر ما كانت نجاحاً لمخطط “الاستثمار في الفوضى”، الذي يرى في دماء اليمنيين مجرد أرقام في معادلة السيطرة على باب المندب وتأمين أمن الكيان الصهيوني.

وفي سياق متصل، كشفت الوقائع أن معظم العمليات الإجرامية التي استهدفت الكوادر الوطنية في صنعاء بعد الثورة، كانت تتم عبر دراجات نارية وعبوات ناسفة من النوع الذي يتم التدريب عليه في معسكرات خارجية تشرف عليها أجهزة دولية. إن إصرار واشنطن على إدراج اليمن ضمن قوائم الدول “غير المستقرة” أمنياً بعد ثورة سبتمبر، رغم تراجع معدلات الجريمة الجنائية، كان يهدف لتهيئة الرأي العام العالمي لتقبل العمليات الإرهابية الكبرى كـ “نتيجة حتمية” للثورة. هذا “التواطؤ بالصمت” أو “التحريض بالإيحاء” هو ما يمنح الجماعات التكفيرية شرعية الوجود والاستمرارية كذراع غير رسمي للمخابرات المركزية، لتنفيذ ما لا تستطيع الدبلوماسية الأمريكية تحقيقه في الغرف المغلقة.

الثورة والسيادة: كسر القيود واستعار الانتقام الأمريكي

جاءت ثورة 21 سبتمبر المباركة لتقلب الطاولة على عقود من الارتهان والتبعية، حيث كان السفير الأمريكي في صنعاء يمثل الحاكم الفعلي الذي يتدخل في أدق تفاصيل التعيينات العسكرية والأمنية. وبمجرد أن أعلن الشعب اليمني استقلاله الكامل وطرد العناصر الاستخباراتية من مفاصل الدولة، بدأت واشنطن في استخدام “سياسة الأرض المحروقة” عبر أدواتها التكفيرية. إن مجزرة مسجدي بدر والحشحوش كانت الرسالة الأمريكية الأكثر دموية للثوار، ومفادها أن ثمن الحرية والسيادة سيكون “الغرق في الدماء”. واشنطن التي خسرت قاعدتها التجسسية الكبرى في السفارة، وخسرت قدرتها على توجيه الجيش اليمني لخدمة أجندتها، لم تجد بداً من تحريك خلايا “القاعدة” لضرب الاستقرار الاجتماعي الذي بدأ يتشكل بعد الثورة.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الأجهزة الأمنية الثورية تمكنت في وقت قياسي من كشف خيوط مؤامرات كانت تُحاك داخل غرف مغلقة لإسقاط العاصمة من الداخل عبر تفجيرات متسلسلة، كانت مجزرة المساجد هي “الطلقة الأولى” فيها. الانتصارات التي حققها اليمنيون في تطهير محافظات البيضاء وأبين وشبوة من العناصر التكفيرية التي كانت تحظى بحماية نظام الوصاية السابق، هي التي دفعت واشنطن لرفع وتيرة الاستهداف الإجرامي للمدنيين. لقد كان الهدف هو خلق “شرخ طائفي” بين الزيدية والشافعية في اليمن، وهي الورقة التي طالما لعبت عليها المخابرات الأمريكية لتمزيق النسيج الاجتماعي للدول الرافضة للهيمنة، إلا أن وعي الشعب اليمني وحكمة قيادته الثورية فوتت الفرصة على هذا المشروع التدميري.

إن استعادة السيادة الوطنية عنت بالضرورة إغلاق “المكاتب السوداء” للسي آي إيه، وهو ما اعتبرته واشنطن تهديداً وجودياً لمصالحها في الجزيرة العربية. ومن هنا، تم استخدام ورقة الإرهاب كمحاولة لإعادة اليمن إلى بيت الطاعة الأمريكي، عبر إظهار أن الخيار الوحيد أمام اليمنيين هو إما “الوصاية” أو “الذبح التكفيري”. ولكن، بدلاً من أن تؤدي مجزرة المساجد إلى انهيار الثورة، تحولت إلى وقود زاد من إصرار الشعب على اقتلاع جذور العمالة والارتهان. فالبيانات الرسمية والتصريحات التي أعقبت الحادثة أكدت أن اليمني لم يعد يفرق بين “السكين الذابح” وبين “الممول المخطط” القابع في واشنطن، مما جعل معركة الاستقلال معركة وجودية ضد الإرهاب وصناعه على حد سواء.

بروتوكول “إدارة التوحش” في الميزان الاستخباري

تثبت البيانات الرقمية والوثائق التي تم ضبطها في مقرات “جهاز الأمن القومي” السابق، الذي كان يعمل تحت إشراف مباشر من المخابرات الأمريكية، وجود ميزانيات ضخمة كانت تُصرف تحت بند “اختراق الجماعات الإرهابية”، بينما كانت في الحقيقة تُستخدم لتمويل وتوجيه هذه الجماعات لضرب الخصوم السياسيين. إن هندسة مجزرة بدر والحشحوش تعتمد على “بروتوكول أمني” يتضمن تسهيل مرور الانتحاريين عبر نقاط تفتيش كانت لا تزال تدار من قبل عناصر موالية للنظام السابق والوصاية الأمريكية. الدقة في اختيار التوقيت (صلاة الجمعة) والمكان (مساجد مكتظة) والهدف (رموز علمية) تعكس صرامة في التنفيذ لا تتوفر لدى جماعات عشوائية، بل هي نتاج “تدريب تخصصي” تلقته قيادات هذه الجماعات في سجون ومعسكرات خاضعة للرقابة الدولية.

وتؤكد تصريحات لمسؤولين أمنيين يمنيين أن الأجهزة التقنية التي استُخدمت في تشفير اتصالات الخلايا المنفذة لمجزرة المساجد، هي أجهزة متطورة لا تملكها إلا دول متقدمة، مما يضع واشنطن في دائرة الاتهام المباشر بتوفير الغطاء التقني للقتلة. كما أن رصد حركة الطيران المسير الأمريكي فوق صنعاء قبل الحادثة بساعات، يشير إلى عملية “استطلاع وتأمين” لمسارات المنفذين، وضمان عدم تدخل أي قوى أمنية وطنية لإعاقة العملية قبل وقوعها. إن هذا “التزامن المعلوماتي” يثبت أن الجماعات التكفيرية والدرونز الأمريكية هما وجهان لعملة واحدة؛ أحدهما يقتل بالسكين والآخر يمهد الطريق بالمعلومات، والهدف النهائي هو ضمان “الاستثمار في الإرهاب” لإبقاء اليمن تحت الوصاية الدائمة.

وبالنظر إلى الأرقام، نجد أن العمليات الإرهابية الكبرى في اليمن سجلت ارتفاعاً بنسبة 400% في الأشهر الستة التي تلت ثورة 21 سبتمبر، وهو رقم لا يمكن تفسيره إلا بوجود قرار سياسي دولي بتفجير الوضع أمنياً. الوثائق التي عُثر عليها لاحقاً كشفت عن قوائم اغتيالات كانت تضم مئات الشخصيات الوطنية والأكاديمية، جرى تجهيزها في غرف عمليات مشتركة تضم ضباطاً مخابراتيين أجانب. إن مجزرة المساجد لم تكن إلا البداية لهذا المخطط الذي كان يهدف لتحويل اليمن إلى “ساحة تجارب” لنظريات الفوضى الاستراتيجية، وهو ما يفسر الصمت المطبق للمنظمات الدولية والحكومات الغربية تجاه هذه الجريمة، مقارنة بردود فعلها تجاه حوادث أقل شأناً في مناطق أخرى، مما يؤكد أن دماء اليمنيين كانت ثمناً مقبولاً في الحسابات الأمريكية لإعادة ترتيب خارطة النفوذ.

سقوط المشروع التدميري.. ونصر السيادة

إن القراءة الاستنتاجية لمجازر مسجدي “بدر والحشحوش” في سياق ثورة 21 سبتمبر المباركة، تقودنا إلى حقيقة جوهرية مفادها أن الاستخدام الأمريكي للإرهاب الوظيفي قد ارتد عكسياً على صناعه؛ فبدلاً من إغراق اليمن في الفوضى الطائفية، أدت هذه الجرائم البشعة إلى توحيد الجبهة الداخلية ضد العدو الحقيقي. لقد أثبت الوعي الشعبي اليمني قدرة فائقة على التمييز بين “الأداة التكفيرية” وبين “المحرك الاستخباراتي”، مما جعل مشروع “الإدارة بالتوحش” يصطدم بصخرة الصمود والتماسك الوطني. إن النجاح في تأمين العاصمة والمحافظات الحرة وتطهيرها من بؤر الإرهاب التي زرعتها الوصاية لعقود، هو أبلغ رد عملي على محاولات واشنطن استعادة نفوذها عبر بوابة الدم، وهو ما يمثل الإنجاز الأكبر لثورة سبتمبر التي حررت الإنسان اليمني من الخوف والتبعية معاً.

وفي الختام، يظل سقوط رهان “الإرهاب الوظيفي” في اليمن بمثابة شهادة وفاة لاستراتيجيات الهيمنة الأمريكية القائمة على استنزاف الشعوب من الداخل. إن دماء الشهيد المحطوري وشهداء المساجد لم تذهب سدى، بل أصبحت هي المنارة التي كشفت زيف شعارات مكافحة الإرهاب الغربية، وأسست لمرحلة جديدة من الاستقلال الأمني والعسكري. إن اليمن اليوم، بامتلاكه لقراره السيادي وقدراته الدفاعية النوعية، يثبت أن الطريق الوحيد للقضاء على الإرهاب ليس عبر “التحالفات الدولية” المشبوهة، بل عبر الاقتلاع الكامل لجذور الوصاية الأجنبية، وبناء دولة قوية تملك من الوعي ما يكفي لتحويل محاولات “إدارة التوحش” إلى مقبرة لمشاريع الاستعمار وأدواته الإجرامية.

 

موقع 21 سبتمبر.