​تناولت هذه النصوص القرآنية الإذن بالقتال للمسلمين، وعللت هذا الإذن بما مُني به المسلمون من الظلم والاعتداء، وما أُكرهوا عليه من الخروج من الديار والأوطان بغير حق، كما هو الحال في فلسطين.

وَإذَا كان الإسلام قد قرّر مبدأ الشورى، فهو عند الجهاد يلزم الأُمَّــة الإسلامية بأن يكون فيها من يراقبون سياستها ونظام الحكم فيها؛ فهي التي قصدها الله سبحانه وتعالى بقوله: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّـة يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

​فوظيفة هذه الجماعة الإشراف على أداء من يحكمون الأُمَّــة، وليكونوا مرجعًا لهم في شريعتهم، ودعاةً للخير وناهين عن المنكر، ولا يقتصر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على هذه الجماعة فقط؛ فالقرآن قد أوجب ذلك على المؤمنين جميعًا: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أولياء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}.

​وقد كشف القرآن الكريم في سورة العصر خسران الناس جميعًا إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، وأقسم على ذلك بالعصر.

والتواصي بالحق يعني الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ومن هذا يتبين أن الأُمَّــة كلها تكون آثمة إذَا كان الشر يسير في طريقه ولا يوجد من ينكره.

​ولقد ذم القرآن بني إسرائيل؛ لأنهم أفسدوا مجتمعهم بترك الآثمين يرتعون في إثمهم، فقال: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسرائيل عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}.

واللعن عقوبة شديدة؛ لأنها تعني الطرد والإبعاد عن رحمة الله، والحرمان من توفيقه، ولا شك أن أُمَّـة تصاب بذلك هي أُمَّـة هالكة.

​وقد بيَّن القرآن سبب اللعن أنه العصيان والاعتداء وعدم التناهي عن المنكر، وجعل الوصف الذي تعلو به أُمَّـة الإسلام هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّـة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}.

​لقد أوصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالنصيحة فقال: “الدِّينُ النَّصِيحَةُ”.

قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: “لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ”.

وقال: “مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ”.

إنَّ هذا التكليف الإلهي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس مُجَـرّد وعظٍ أخلاقيٍ مُجَـرّد، وإنما هو في جوهره مبدأٌ سياسيٌّ وأخلاقيٌّ يفرض على الأُمَّــة أن تكون ‘صمام أمان’ ضد الطغيان والفساد.

واليوم، يتجسد ‘المنكر الأكبر’ في أبشع صوره من خلال الصمت الدولي والتواطؤ العالمي تجاه ما يحدث في فلسطين؛ إذ لم يعد المنكرُ سلوكًا فرديًّا يُهجر، فقد صار نظامًا دوليًّا يُشرعن الإبادة ويحمي الجلاد.

لذا، فإنَّ الانتقال من ‘فقه النص’ إلى ‘فقه الواقع’ يوجب علينا إدراك أنَّ نصرة غزة ليست خيارًا تضامنيًّا عابرًا، وإنما هي ذروة السلوك الإيماني والسياسي الرشيد، واختبار حقيقيٌّ لمدى فاعلية الأُمَّــة في مواجهة منظومة ‘الظلم المنظم’ التي تسعى لاجتثاث الحق من أرضه.

​فليس أضر على الأُمَّــة من مشاهدة المنكرات والفظائع في فلسطين والاعتداء على حرمات الدين، ثم يصمتون صمتًا مشينًا عن احتلال الأقصى وعما يجري في غزة.

ليست غزةُ اليوم مدينةً منكوبةً فحسب، وإنما هي شاهدُ العصر على انهيار الضمير الإنساني، ومرآةٌ كاشفةٌ لحقيقة النظام العالمي الذي طالما تغنّى بحقوق الإنسان والحرية والعدالة، ثم وقف صامتًا ـ أَو شريكًا ـ أمام واحدةٍ من أبشع المآسي التي عرفها التاريخ الحديث.

​أكثر من سبعين ألف قتيل، وعشرات الآلاف من الأطفال والنساء تحت الركام، وأكثر من مئتين وخمسين ألف جريحٍ ومعاق، ومدنٌ كاملةٌ مُسحت من الوجود، ومستشفياتٌ قُصفت، ومساجدُ أُحرقت، ومخيماتُ النازحين تحولت إلى مقابر جماعية، في مشهدٍ يفوق الوصف، ويعجز القلم عن الإحاطة ببشاعته: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ}.

​فلسطين أرض الإسلام لا يزال فيها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فهم بحاجة إلى دعم الأُمَّــة الإسلامية وأحرار العالم.

​يَحْسَبُ الظَّالِمُونَ أَنَّهُمْ سَيَسُودُوا ** أَرْضَ غَزَّةَ وَأَهْلُهَا عُظَمَاءُ

وَفِلَسْطِينُ فِي البِلادِ أُسُودٌ ** تَصْنَعُ المَجْدَ وَهُمْ لِغَزَّةَ فِدَاءُ

سَتُذَلُّ اليَهُودُ فِي كُـلّ شِبْرٍ ** مِنْ فِلَسْطِينَ وَإِنْ أُرِيقَتْ دِمَاءُ

سَتُزِيحُ العِدَا مِنْ فِلَسْطِينَ ** إِنْ أَزَاحَتْ عَنْ جَفْنِهَا الأَقْذَاءُ

سَتُعِيدُ الأَمْجَادَ لِلْعُرُوبَةِ جَمْعَا ** إِنْ أَفَاقَتْ لِمَعَالِي آبَائِهَا الأبناء

لَمْ يُغَيِّرْ عَقِيدَةَ القَوْمِ بُؤْسٌ ** أَو يَحُلْ دُونَ نُبْلِهِمْ كِبْرِيَاءُ

​تقف الكلماتُ عاجزةً، وتتوارى الحروفُ خجلًا أمام هول الفاجعة التي تلمُّ بقطاع غزة؛ تلك البقعة الجغرافية الصغيرة التي تحولت إلى أكبر مسرحٍ للجريمة في التاريخ المعاصر.

إن ما يحدث اليوم ليس مُجَـرّد جولة صراع، وإنما هو زلزالٌ إنسانيٌّ وأخلاقيٌّ كشف عورة النظام الدولي وأثبت أن “التحضر” الذي يتغنى به الغرب ليس إلا قشرة رقيقة تخفي تحتها وحشيةً لم يشهد لها العصر مثيلًا.

​لقد شهد التاريخ حروبًا كثيرةً، وعرفت البشريةُ مجازرَ داميةً، لكن ما يجري في غزة يتجاوز حدود العدوان التقليدي إلى صورةٍ مرعبةٍ من صور الإبادة الجماعية التي تُرتكب أمام العالم على الهواء مباشرة، دون خشية من الله أَو خوفٍ من قانون، أَو خشيةٍ من حساب، أَو اكتراث من كُـلّ المواثيق الدولية التي تحولت إلى حبرٍ على ورق.

​والأدهى من القتل نفسه ذلك الصمتُ العالميُّ المخزي؛ إذ لم تعد المشكلة في وحشية الصهيونية وحدها، وإنما في تواطؤ قوى كبرى تدّعي الحضارة بينما تمدُّ آلةَ الحرب بالسلاح والغطاء السياسي والإعلامي، ثم تتحدث عن السلام وحقوق الإنسان بوجهٍ باردٍ لا يعرف الخجل.

​لقد تحولت غزة إلى امتحانٍ أخلاقيٍّ للأُمَّـة وللعالم أجمع؛ فمن كان يظن أن الإنسانية قد بلغت ذروة التحضر، رأى بأم عينه أطفالا يُنتشلون أشلاء، وأُمهات يودعن أبناءهن تحت الأنقاض، وشعبًا يُجَوَّع ويُحاصر ويُقصف، ثم يُطلب منه أن يصمت باسم “الدفاع عن النفس”.

​ومع كُـلّ هذا الخراب، بقيت غزة واقفةً بصورةٍ أذهلت العالم؛ لم تنكسر إرادَة أهلها، ولم تنطفئ جذوة الكرامة في قلوبهم، وإنما تحولت دماؤهم إلى شهادةٍ دامغةٍ على أن الحق قد يُحاصر، لكنه لا يموت، وأن الشعوب المظلومة قد تُستضعف زمنًا، لكنها لا تُمحى من التاريخ.

​هَيَّا بَنِي الإسلام قُومُوا نَهْضَةً ** تُرْمَى بِهَا الأَوْغَادُ وَالأعداء

أَيَنَامُ حُرٌّ وَالدِّيَارُ مُبَاحَةٌ؟ ** وَبِكُلِّ زَاوِيَةٍ هُنَاكَ نِدَاءُ!

إيران مِشْكَاةُ الثَّبَاتِ بِدَعْمِهَا ** لِلْقُدْسِ فِيهَا صَوْلَةٌ وَمَضَاءُ

رَعَتِ المَقَاوِمَ فِي المَيَادِينِ الَّتِي ** صُبِغَتْ بِنُورِ يَقِينِهَا الأَنْبَاءُ

وَلِبْنَانُ مِنْ أَرْزِ الشُّمُوخِ مُلَبِّيًا ** جَادَتْ بِأَغْلَى مَا لَدَيْهِ دِمَاءُ

سَلَّتْ جَنُوبُ العِزِّ سَيْفَ نِزَالِهَا ** فَتَهَدَّمَتْ بِيَهُودِهَا الأَرْجَاءُ

وَعِرَاقُ مَهْدِ البَأْسِ هَبَّ غَضَنْفَرًا ** فَلَهُ عَلَى هَامِ العِدَا إِمْضَاءُ

نَطَقَ الفُرَاتُ مَعَ الدُّجَيْلِ بِنَصْرِ مَنْ ** صَمَدُوا، وَلِلأحرار فِيهِ دُعَاءُ

وَاليَمَنُ المَيْمُونُ أَقْبَلَ بَاسِلًا ** فِيهِ الكَرَامَةُ مَوْقِفٌ وَإِبَاءُ

أنصار دِينِ اللَّهِ مِنْهَا أَقْبَلَتْ ** ثَارُوا لِنُصْرَةِ غَزَّةَ شُرَفَاءُ

أَمَّا العَرُوبَةُ فَهِيَ إِنْ نَهَضَتْ غَدَتْ ** نَارًا تُذِيبُ البَغْيَ وَالجُبَنَاءْ

​إن هذه الفاجعة ليست حدثًا عابرًا في نشرة أخبار، وإنما وصمةٌ سوداءُ ستلاحق هذا العصر طويلًا، وسيأتي يومٌ يُسأل فيه العالم: أين كانت الإنسانية حين كانت غزة تُباد؟

​يَا كُـلّ حُرٍّ فِي البَسِيطَةِ قَدْ رَأَى ** ظُلْمَ الطُّغَاةِ، وَعَافَهُ الشُّرَفَاءُ

زَلْزِلْ عُرُوشَ المُجْرِمِينَ بِصَرْخَةٍ ** فَالصَّمْتُ فِي عُرْفِ الأُبَاةِ فَنَاءُ

فِي غَزَّةَ وَجَعُ القُلُوبِ وَنَصْرُهَا ** فَرْضٌ، وَفِي خِذْلَانِهَا الإِزْرَاءُ

سَيَعُودُ نُورُ الحَقِّ يَغْمُرُ أَرْضَنَا ** وَيَذُوبُ فِي فَجْرِ الخَلَاصِ شَقَاءُ

سَيَظَلُّ هَذَا الدَّهْرُ يَشْهَدُ أَنَّ مَنْ ** زَرَعَ العَدَالَةَ يَحْصَدُ العَلْيَاءْ

وَسَتَسْقُطُ الأَوْهَامُ مَهْمَا زُخْرِفَتْ ** فَالحَقُّ تَعْلُو رَايَةٌ بَيْضَاءْ

وَتَذُوقُ صِهْيُونُ المَهَانَةَ كُلَّمَا ** هَبَّتْ شُعُوبُ الحَقِّ وَالنُّبَلَاءُ

فَالنَّصْرُ وَعْدُ اللَّهِ لَيْسَ يُرِدُّهُ ** مَكْرُ الطُّغَاةِ وَلَا صَلِيلُ فَنَاءْ

​إن غزة لا تطلب الشفقة، وإنما تطلب العدالة؛ والعدالة لا تتحقّق إلا بوقفةٍ حازمة من كُـلّ حرٍّ في هذا العالم.

إن هذا الظلم لم يسبق له مثيل قط؛ لأنه لا يستهدف المقاتلين فحسب، وإنما يستهدف “الحياة” بكل تجلياتها.

يريدون محو الهُوية، وكسر الإرادَة، وتحويل غزة إلى أرضٍ غير قابلة للعيش، لكنهم نسوا أن غزة كالعنقاء، كلما أحرقوا ريشها، نبت لها جناحان من نور ونار.

{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.

 

* عضو رابطة علماء اليمن