اليوم الوطني للصمود.. أحد عشر عاماً تصنع اليمن الجديد وتؤكد فاعلية المشروع القرآني في كسر العدوان
اليوم الوطني للصمود.. أحد عشر عاماً تصنع اليمن الجديد وتؤكد فاعلية المشروع القرآني في كسر العدوان
في السادس والعشرين من مارس من كل عام، يقف اليمنيون أمام محطة تاريخية مفصلية في مسيرتهم المعاصرة، هي ذكرى اليوم الوطني للصمود، التي تحل هذا العام في ذكراها الحادية عشرة، كواحدة من أبرز المحطات التي أعادت صياغة وعي الأمة اليمنية، ورسّخت حقيقة أن الشعوب حين تتسلح بالإيمان والوعي والإرادة لا يمكن أن تُهزم مهما كان حجم العدوان أو تعقيد التحديات.
هذه الذكرى لم تعد مجرد مناسبة وطنية تُستحضر فيها الأحداث، بل تحولت إلى عنوان لمرحلة كاملة من التحولات الكبرى التي شهدها اليمن منذ بدء العدوان الأمريكي السعودي الإماراتي في 26 مارس 2015، حين ظن المعتدون أن بضعة أسابيع كفيلة بإخضاع اليمن وكسر إرادته، فإذا بالسنوات الإحدى عشرة تثبت أن اليمن دخل معركة تاريخية انتهت بتبدل المعادلات وانكشاف المشاريع المعادية وسقوط رهاناتها.
واليوم، ومع مرور أكثر من عقد على ذلك العدوان، تبدو صورة اليمن مختلفة تماماً عمّا كانت عليه في بدايات الحرب؛ فبلد أراد له الأعداء أن يُغرق في الفوضى والانهيار، تحوّل إلى ساحة صمود وصناعة قرار، وإلى تجربة ملهمة في مواجهة الهيمنة والاستكبار.
المشروع القرآني.. الجذر الفكري للصمود اليمني
يؤكد كثير من المتابعين أن أحد أهم العوامل التي منحت اليمنيين القدرة على الصمود كل هذه السنوات يتمثل في المشروع القرآني الذي أسسه الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، والذي تحوّل إلى مدرسة وعي وبناء أعادت للأمة بوصلة الفهم الصحيح لطبيعة الصراع في المنطقة.
فهذا المشروع لم يكن مجرد طرح فكري أو دعوة وعظية، بل رؤية متكاملة هدفت إلى تحرير الإنسان من التبعية، وإعادة بناء الهوية الإيمانية للأمة، وترسيخ مفهوم الاستقلال والسيادة.
وقد أكد قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي في أكثر من مناسبة أن المشروع القرآني يمثل خيار النجاة والعزة للأمة، لأنه يقدم الوعي الصحيح تجاه مخططات الهيمنة الأمريكية والصهيونية، ويحصّن المجتمع فكرياً وثقافياً وسياسياً.
ومن خلال هذا الوعي، تمكن الشعب اليمني من تحويل العدوان إلى نقطة تحوّل تاريخية، إذ لم يعد الصمود مجرد رد فعل مؤقت، بل أصبح نهجاً استراتيجياً في إدارة الدولة والمجتمع، وفي مواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية والإعلامية.
أحد عشر عاماً من العدوان.. وسقوط رهانات الهيمنة
في مساء 26 مارس 2015 أُعلن بدء العدوان على اليمن من واشنطن، في مشهد كشف منذ اللحظة الأولى طبيعته وحقيقته، كما أشار إلى ذلك فخامة الرئيس مهدي المشاط في خطابه بهذه المناسبة.
وقال الرئيس المشاط إن ذلك العدوان كان مسنوداً بتحالف دولي يقوده النظام السعودي وبإشراف أمريكي، مؤكداً أن الجرائم التي ارتُكبت خلال السنوات الماضية استهدفت كل شيء في اليمن، من البيوت والأسواق إلى المدارس والموانئ والمطارات وصالات الأعراس ومجالس العزاء.
لكن ما لم يكن في حسابات المعتدين هو طبيعة هذا الشعب الذي وصفه النبي صلى الله عليه وآله بأنه شعب الإيمان والحكمة.
فبدلاً من الانهيار، هب اليمنيون بكل مكوناتهم للدفاع عن بلدهم، لتبدأ مرحلة جديدة من الصمود الوطني الذي تحوّل لاحقاً إلى ملحمة تاريخية غير مسبوقة في تاريخ الصراعات المعاصرة.
التحول العسكري.. من الدفاع إلى صناعة الردع
من أبرز ملامح الصمود اليمني خلال السنوات الماضية التحول النوعي في قدرات القوات المسلحة اليمنية، التي انتقلت من مرحلة الدفاع إلى بناء منظومات ردع متقدمة.
ففي ظل الحصار والعدوان، نجحت القوات المسلحة في تطوير قدراتها الصاروخية والجوية والبحرية، لتفرض معادلات جديدة في المنطقة، وتؤكد أن اليمن لم يعد ساحة مستباحة كما كان يعتقد الأعداء.
وقد تجلت هذه التحولات بوضوح في ما بات يعرف بـ”معركة البحار”، حيث أدرك العالم أن اليمن أصبح لاعباً مؤثراً في معادلات البحر الأحمر وباب المندب، وأن صوته الذي حاولت قوى الهيمنة خنقه تحوّل إلى عامل تأثير في الجغرافيا السياسية للمنطقة.
هذه التحولات لم تكن مجرد إنجاز عسكري، بل نتيجة مباشرة لصمود شعب بأكمله، ولرؤية استراتيجية انطلقت من الوعي الذي أسسه المشروع القرآني.
الاقتصاد تحت الحصار.. من الاستهداف إلى الاعتماد على الذات
لم يكن العدوان عسكرياً فقط، بل شمل حصاراً اقتصادياً خانقاً استهدف حياة اليمنيين ومعيشتهم بشكل مباشر.
ومع ذلك، لم تتوقف عجلة الحياة في اليمن، بل ظهرت مبادرات محلية واسعة عززت الإنتاج المحلي وشجعت على الاعتماد على الذات، سواء في الزراعة أو الصناعة أو المبادرات المجتمعية.
لقد تحوّل الحصار، في كثير من الأحيان، إلى دافع للابتكار وإعادة التفكير في بناء الاقتصاد الوطني بعيداً عن التبعية للخارج.
وأصبح الاستقلال الاقتصادي هدفاً استراتيجياً يرافق مسار الصمود السياسي والعسكري، في إطار رؤية أوسع لبناء دولة مستقلة القرار والسيادة.
المجتمع اليمني.. جبهة صمود متكاملة
إلى جانب الجبهة العسكرية والاقتصادية، لعب المجتمع اليمني دوراً محورياً في تثبيت معادلة الصمود.
فالقبيلة اليمنية وقفت سنداً أساسياً للمجاهدين في مختلف الجبهات، فيما برزت المرأة اليمنية كأحد أعمدة الصمود، سواء من خلال دعمها للمجاهدين أو مشاركتها في مختلف مجالات الحياة والصمود المجتمعي.
كما ظل قطاع التعليم قائماً رغم الظروف الصعبة، في رسالة واضحة بأن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معركة الميدان.
وقد أثبتت هذه التجربة أن المجتمع الذي يمتلك وعياً راسخاً وهُوية واضحة قادر على مواجهة أقسى التحديات دون أن يتفكك.
كلمة الرئيس المشاط.. رسائل سيادية في ذكرى الصمود
وفي خطابه بمناسبة اليوم الوطني للصمود، أكد فخامة الرئيس المشير الركن مهدي المشاط أن الشعب اليمني سيواصل مسيرته حتى انتزاع حقوقه كاملة دون نقصان.
وقال الرئيس المشاط: “أؤكد لأبناء شعبنا أننا سننتزع جميع حقوقه كاملة دون منقوصة، وأن ثمرة صمودكم ستثمر نصراً كبيراً تعيد اليمن إلى موقعه الرائد ومجده التليد.”
وأشار إلى أن صمود الشعب اليمني أسقط الكثير من العناوين الزائفة وكشف حقيقة المشاريع التي استهدفت المنطقة تحت مسميات مثل “الشرق الأوسط الجديد” و”إسرائيل الكبرى”.
كما دعا النظام السعودي إلى الاستجابة الفعلية لمتطلبات السلام، عبر وقف العدوان ورفع الحصار وانسحاب القوات الأجنبية من الأراضي اليمنية، ومعالجة ملفات الأسرى والتعويضات وإعادة الإعمار.
وفي سياق الموقف الإقليمي، أكد الرئيس المشاط وقوف اليمن إلى جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتأييد حقها في الدفاع عن نفسها في مواجهة العدوان الأمريكي الصهيوني، محذراً من خطورة المشاريع التي تستهدف الأمة والمنطقة.
اليمن بعد 11 عاماً من الصمود.. دولة تتشكل من جديد
بعد أحد عشر عاماً من العدوان، لم يعد اليمن كما كان في السابق.
فصنعاء التي صمدت في وجه أعنف الهجمات، تحولت إلى مركز قرار سياسي وعسكري قادر على التأثير في معادلات المنطقة، فيما نجح اليمنيون في إعادة بناء الكثير من مؤسسات الدولة رغم الظروف الصعبة.
ويجمع كثير من المراقبين على أن أبرز مكاسب هذه المرحلة تمثلت في استعادة اليمن لقراره السيادي، وبناء جيش وطني قادر على حماية البلد وثرواته، وتعزيز حالة الوعي الشعبي تجاه مخاطر المشاريع الخارجية.
كما أن صمود اليمن لم يعد حدثاً محلياً فحسب، بل تحول إلى جزء من معادلة أوسع في محور المقاومة، خاصة في ظل المواقف اليمنية الداعمة للقضية الفلسطينية، والتي تجلت عملياً في مواقف عسكرية وسياسية لافتة خلال العدوان على غزة.
يوم الصمود.. رسالة تاريخية للأمة
إن اليوم الوطني للصمود في ذكراه الحادية عشرة لا يمثل مجرد استعادة لذكرى بداية العدوان، بل هو إعلان متجدد بأن اليمنيين نجحوا في تحويل عدوان غاشم استهدف كل مناحي حياتهمـ إلى نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة من الاستقلال والسيادة.
فهذا اليوم أصبح رمزاً لإرادة شعب قرر أن يصنع تاريخه بنفسه، وأن يواجه مشاريع الهيمنة بثبات نادر في تاريخ الصراعات الحديثة.
وإذا كان العدوان قد بدأ على أساس حسابات خاطئة، فإن السنوات الماضية أثبتت أن اليمن يمتلك من عناصر القوة ما يجعله قادراً على تغيير مسار الأحداث، ليس فقط داخل حدوده، بل على مستوى المنطقة بأكملها.
ولهذا، تبدو ذكرى يوم الصمود اليوم أشبه ببيان تاريخي مفتوح يؤكد أن هذا الشعب الذي صمد أحد عشر عاماً لن يتراجع عن مشروعه في الحرية والاستقلال، وأن الطريق الذي بدأه اليمنيون لن ينتهي إلا بنصر يليق بتضحياتهم وتاريخهم.
موقع 21 سبتمبر.