هندسة الخنق السيادي: كيف حوّلت السعودية الثروة اليمنية إلى سلاح تجويع يفتك باليمنيين

هندسة الخنق السيادي: كيف حوّلت السعودية الثروة اليمنية إلى سلاح تجويع يفتك باليمنيين


الجوف نت / تقرير *

لم تكن الحرب الاقتصادية التي شُنت على اليمن مجرد رديف للعمليات العسكرية، بل كانت هي الجبهة الأشد فتكاً والأكثر تخطيطاً، حيث اعتمدت الرياض استراتيجية “التجفيف المالي” كبديل عن الإخفاق في الحسم الميداني. إن تحويل حقول النفط والغاز من رافعة للسيادة الوطنية إلى “أوراق ضغط جيوسياسية” يعكس رؤية معادية تهدف إلى انتزاع مخالب الدولة اليمنية الناشئة في صنعاء عبر خلق فجوة تمويلية قسرية تشل قدرة المؤسسات على أداء وظائفها الحيوية. هذه الهندسة “الجيومالية” لم تكتفِ بنهب الموارد، بل عملت على إعادة صياغة العقد الاجتماعي اليمني تحت وطأة الحرمان المخطط له، حيث تحول مفهوم السيادة من ممارسة فعلية على الأرض إلى شعار معطل بفعل الارتهان المالي المتعمد، مما جعل من “الرغيف” والقطعة النقدية أسلحة فتاكة صُممت لكسر إرادة الصمود الوطني.

إن قرار نقل وظائف البنك المركزي اليمني في عام 2016 لم يكن إجراءً تنظيمياً كما روجت له أدوات العدوان، بل كان “الكمين المالي” الأكبر الذي شرعن عملية اللصوصية المنظمة للثروة السيادية؛ إذ أدى هذا القرار إلى عزل الموارد الطبيعية عن دورتها الاقتصادية الوطنية وتوجيهها نحو قنوات مصرفية تحت السيطرة المباشرة للجنة الخاصة السعودية. ومن خلال هذا العزل القسري، تم إنتاج واقع اقتصادي مشوه يُراد فيه للشعب اليمني أن يربط بين خياراته السياسية وبين حرمانه من ثرواته، في محاولة بائسة لفرض “استلام معيشي” يعيد اليمن إلى حظيرة الوصاية الإقليمية. إن هذا “العدوان الناعم” يمثل ذروة سنام المعركة، حيث يتم تجفيف السيولة الصعبة من الداخل وتكديسها في الخارج، لضمان بقاء الدولة في حالة “موت سريري” مالي، وهو ما يفسر الإصرار السعودي على إبقاء ملف الموارد بعيداً عن أي تفاهمات إنسانية تخفف من معاناة الموظفين.

المسار القسري للثروة: تفكيك “القرصنة المصرفية”

تتجلى الحقيقة الصارخة لجريمة النهب عند تتبع “المسار المالي” لمبيعات النفط الخام اليمني، والتي كشفت اعترافات أقطاب سلطة المرتزقة أنها لا تجد طريقاً إلى الخزينة العامة اليمنية، بل تذهب لاستقرار أرصدة في “البنك الأهلي السعودي” بالرياض. ولعل أكثر الشهادات جلاءً هي تلك التي أدلى بها المدعو عبد العزيز جباري، نائب رئيس برلمان المرتزقة، حين أكد علانية أن حكومتهم لا تمتلك أدنى سلطة على القرار المالي أو عوائد الثروة، كاشفاً أن كل “قرش” من مبيعات النفط والغاز يُورد مباشرة إلى السعودية، بينما تظل حكومتهم مجرد “موظف” يستجدي فتات الميزانيات التشغيلية من اللجنة الخاصة السعودية. هذا الاعتراف ينسف شرعية أي إجراءات مالية تقوم بها تلك السلطات، ويؤكد أن السيادة المالية اليمنية قد تم تأميمها لصالح الخزينة السعودية، مما جعل القرار الاقتصادي اليمني رهينة بيد الضباط السعوديين الذين يديرون حساب “نفط اليمن” كملف استخباري لا كعلاقة بين دولتين.

إن الدلالات العميقة لهذا الاحتجاز المالي تتضح عند تحليل الأرقام الجنائية المرتبطة بحركة الناقلات العملاقة التي تحولت إلى أسطول قرصنة شرعي؛ إذ رصدت التقارير الملاحية والبيانات الميدانية الناقلة (APOLYTARES) وهي تنهب في شحنة واحدة أكثر من مليونين ومائتي ألف برميل من خام المسيلة بقيمة تجاوزت 270 مليون دولار، ولحقت بها ناقلات مثل (SEAVELVET) و(NISSOS KEA) و(SARAS). إن هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي صكوك إدانة تثبت أن إجمالي ما تم نهبه من العملة الصعبة بين عامي 2018 و2022 تجاوز 14 مليار دولار، وهي كتلة نقدية كانت كفيلة وحدها بصرف مرتبات كافة موظفي الدولة لسنوات طويلة مع توفير احتياطي نقدي يمنع انهيار الريال. ومع ذلك، وبفعل القرصنة السعودية، تحولت هذه الثروة من أداة إنقاذ إلى أداة خنق، حيث يُحتجز الدولار في الرياض ليرفع من قيمة الريال السعودي، بينما يُترك الريال اليمني لمواجهة الانهيار المفتعل في مناطق الاحتلال.

وعلاوة على ذلك، فإن الإصرار على توريد العوائد للبنك الأهلي السعودي يمثل انتهاكاً صارخاً للدستور اليمني الذي يحصر توريد العائدات السيادية في البنك المركزي اليمني، وهو ما يحول الرياض إلى شريك مباشر في جريمة غسيل الأموال الدولية والنهب المنظم لمقدرات الشعوب. إن هذا الربط القسري بين الإنتاج اليمني والبنك السعودي يضمن للرياض سلطة “الفيتو” على الحياة في اليمن؛ فبإمكانها وقف الرواتب، أو منع استيراد الغذاء، أو حتى شل القطاع الصحي بضغطة زر واحدة من موظف في البنك الأهلي. هذا الواقع أنتج “تبعية مطلقة” حولت ما يسمى بالحكومة الشرعية إلى مجرد “محلل قانوني” يشرعن سلب الثروة مقابل بقاء شخوصها في فنادق الرياض، في أقذر مقايضة سياسية وتاريخية شهدها اليمن الحديث، حيث تُباع حقوق ملايين الجوعى مقابل رفاهية بضعة مرتزقة.

وختاماً لهذا المحور، يتبين أن هذه الآلية لم تكن نتاج فوضى الحرب، بل كانت “كميناً مالياً” صُمم بعناية منذ اللحظات الأولى لنقل البنك المركزي؛ فالسعودية كانت تدرك أن السيطرة على “النفط الخام” تعني السيطرة على “القرار السيادي”. ومن هنا، فإن استمرار هذا المسار القسري للأموال يعني استمرار الحرب بوسائل أخرى، حيث تُستخدم ثروات اليمنيين لتمويل عمليات قتلهم وتجويعهم، وهو ما يفسر الرفض السعودي القاطع لأي مقترحات تهدف لفتح حساب وسيط في دولة محايدة لصرف المرتبات، لأن ذلك سيعني ببساطة سقوط أقوى أوراق الضغط التي تمتلكها الرياض في مواجهة الصمود الوطني اليمني.

“محرقة العملة” وتداعيات النهب على الأمعاء الخاوية

لا تكتمل صورة الجريمة بالحديث عن نهب النفط الخام فحسب، بل يجب الغوص في الآثار التدميرية التي خلفها هذا النهب على القوة الشرائية للمواطن اليمني، والتي تجلت في أبشع صورها عبر “حرب العملة” وطباعة 5.3 تريليون ريال من العملة غير القانونية. إن العلاقة بين نهب الدولار النفطي وبين طباعة الريال المزيف هي علاقة طردية؛ فكلما زادت السعودية من احتجاز عائدات النفط، زادت أدواتها في الداخل من ضخ العملة الورقية بلا غطاء، مما خلق “تضخماً جامحاً” سحق الطبقة الوسطى وحول الملايين إلى تحت خط الفقر. هذا الانهيار المتعمد للريال اليمني في المناطق المحتلة، حيث تجاوز الدولار حاجز الـ 1650 ريالاً، هو النتيجة الحتمية لعزل “الغطاء النقدي الطبيعي” (النفط والغاز) عن وظيفته، ليصبح المواطن ضحية لعملية “عصر مالي” تنهب ثروته وتدمر قيمة مدخراته في آن واحد.

إن التداعيات التي خلفها هذا النهب لم تتوقف عند حدود التضخم، بل امتدت لتشمل “الإعدام المدني” لـ 1.2 مليون موظف حكومي يعيلون أكثر من 10 ملايين مواطن، بعد انقطاع رواتبهم نتيجة قرصنة عوائد النفط. إن الربط السببي هنا واضح وجلي؛ فإيرادات النفط المنهوبة شهرياً تغطي فاتورة الرواتب في كافة أنحاء الجمهورية مع فائض تنموي، لكن قرار الرياض بقطع هذا الشريان كان يهدف لخلق حالة من السخط الشعبي وتوظيف المعاناة الإنسانية كأداة ضغط في المفاوضات السياسية. هذا “التوظيف السياسي للجوع” يعكس انحطاطاً أخلاقياً دولياً، حيث يُترك المعلم والطبيب والمهندس اليمني بلا أجر بينما تضخ آبار بلدهم ملايين البراميل التي تُباع لصالح “الصندوق الأسود” في البنك الأهلي السعودي، في مفارقة تثبت أن الهدف هو تدمير “الإنسان اليمني” كبنية تحتية وقدرة بشرية.

وفي المناطق الواقعة تحت الاحتلال، تبرز مأساة إضافية تتمثل في مفارقة “الغنى والظلام”؛ إذ تعاني محافظات مثل حضرموت وشبوة، التي تنتج الجزء الأكبر من النفط المنهوب، من أزمات كهرباء خانقة وانعدام للمشتقات النفطية بأسعار معقولة. إن هذا الواقع السريالي، حيث ينام المواطن فوق آبار الخام ويستيقظ في ظلام دامس، هو المنتج النهائي لسياسة “التجفيف”؛ فالسعودية تنهب النفط اليمني كمادة خام، ثم تعيد بيع مشتقاته لليمنيين بأسعار السوق السوداء عبر سماسرة وشركات تابعة للعدوان. هذا “التدوير الخبيث” للمال يضمن بقاء اليمن في دورة مديونية وتبعية طاقوية دائمين، ويؤكد أن الرياض لا تريد لليمنيين حتى الاستفادة من ثرواتهم كوقود لمحطات الكهرباء، مفضلةً إغراقهم في الأزمات الخدمية لمنع أي حالة استقرار قد تهدد مشروع الوصاية.

استكمال حلقات الحصار الشامل

تمثل جريمة تعطيل منشأة “بلحاف” لإنتاج الغاز الطبيعي المسال الحلقة الأكثر خطورة في مسلسل الشلل الاقتصادي المفتعل، حيث تحولت هذه المنشأة، التي تعد أضخم استثمار في تاريخ اليمن، من رافد مالي إلى ثكنة عسكرية وسجون سرية تحت إدارة إماراتية-فرنسية. إن هذا التعطيل العمدي يكبد الخزينة العامة خسائر سنوية تقدر بنحو 4 مليار دولار، وهي مبالغ كانت كفيلة بإحداث نهضة تنموية شاملة وانتشال اليمن من أزمته النقدية. إن بقاء الغاز اليمني “خارج الخدمة” بقرار إقليمي ليس ناتجاً عن ظروف الحرب، بل هو قرار استراتيجي لمنع اليمن من دخول سوق الغاز العالمي كلاعب مستقل، ولضمان بقاء موارده رهينة للصراعات الدولية التي تديرها الرياض وأبوظبي بالوكالة.

ولم يقتصر النهب على ما في باطن الأرض، بل امتد ليشمل “السيادة الرقمية” عبر صفقة شركة (NX) الإماراتية، التي منحت أبوظبي حق التحكم في قطاع الاتصالات والإنترنت في المناطق المحتلة، في انتهاك صارخ للأمن القومي اليمني. هذه الصفقة، التي مررتها حكومة المرتزقة بضغط سعودي-إماراتي، تظهر أن الهدف هو “تفكيك الدولة” وتحويلها إلى أجزاء مستباحة تُباع لشركات دولية مقابل الحماية السياسية. إن الربط بين نهب النفط وبين بيع قطاع الاتصالات يكشف عن رغبة في “الاستحواذ الشامل” على كافة الموارد السيادية (الأرض، الثروة، والمعلومات)، مما يجعل اليمن مجرد “منطقة نفوذ” مجردة من أي أسلحة اقتصادية أو سيادية تمكنها من النهوض مستقبلاً.

إن تحليل هذه المعطيات يقودنا إلى استنتاج أن “الدولار الجمركي” الذي رُفع سعره بشكل جنوني في الموانئ المحتلة هو الوجه الآخر لنهب النفط؛ فعندما فشلت السعودية في سد فجوة العجز التي تسببت فيها لصوصيتها، لجأت إلى جباية الأموال من أفواه الجوعى عبر رفع الرسوم الجمركية على الغذاء والدواء. هذا التكامل في أدوات القمع الاقتصادي يثبت أننا أمام نظام “أبارتهايد” مالي، يُحرم فيه اليمني من ثروته الطبيعية، ثم يُجبر على دفع ضرائب باهظة لدولة لا تمثله، وتذهب أموالها لتمويل المجهود الحربي الذي يقتله. إن “النهب” هنا لم يعد فعلاً عشوائياً، بل هو “نظام تشغيل” متكامل تديره الرياض لإدامة أمد الحرب عبر استنزاف موارد الضحية لتحويلها إلى وقود لاستمرار العدوان.

استرداد الحقوق كمدخل إلزامي للسيادة والكرامة

إن المحصلة الاستراتيجية لهذا التحقيق التحليلي تؤكد أن معركة استعادة الثروات النفطية والغازية لم تعد مطلباً اقتصادياً فحسب، بل هي جوهر معركة الاستقلال الوطني والتحرر من الوصاية السعودية التي حولت اليمن إلى “رئة معطلة” تخدم المصالح الإقليمية. لقد أثبت التحليل أن كل دولار يُحتجز في البنك الأهلي السعودي هو رغيف خبز يُنزع من مائدة أسرة يمنية، وأن الصمت الدولي المطبق تجاه هذه “القرصنة السيادية” هو ما شجع الرياض على الاستمرار في هندسة المجاعة واستخدام النفط كسلاح دمار شامل ضد المدنيين. لذا، فإن معادلة صنعاء التي فرضت وقف تصدير النفط تحت قاعدة “المرتبات مقابل النفط” هي الإجراء السيادي الوحيد الذي استطاع وقف نزيف المقدرات، وتحويل الثروة من مغنم للعدوان إلى عبء أمني عليه.

وفي الختام، يبرز الاستنتاج النهائي بأن أي تسوية سياسية لا تتضمن استعادة السيطرة الوطنية الشاملة على منابع الثروة وتوريد عوائدها للبنك المركزي في صنعاء لصرف المرتبات، ستكون مجرد “شرعنة” جديدة للاحتلال المالي. إن زمن “النهب الصامت” قد ولى إلى غير رجعة، والبيانات والاعترافات التي حشدها هذا التقرير تشكل قاعدة بيانات جنائية لا تسقط بالتقادم، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليته التاريخية تجاه جريمة تجويع شعب كامل عبر نهب مقدراته. إن انتزاع الحقوق السيادية اليوم هو المسار الوحيد لضمان كرامة اليمني وبناء دولة مستقلة تملك قرارها المالي، وبدون ذلك ستظل السيادة منقوصة والحرية مهددة بسلاح “الخنق الاقتصادي” الذي لا يزال قابعاً في خزائن الرياض.

 

موقع 21 سبتمبر.