المفاوضات بين استنزاف الذخيرة الأمريكية وعقيدة الردع الإيرانية


الجوف نت / صنعاء

مقالات – عبد القوي السباعي

في تحولٍ دراماتيكي لمشهد التصعيد بالمنطقة، خيَّمَ الهدوءُ المفاجئ على قرع طبول الحرب التي بلغت ذروتها خلال الأيّام الماضية، حَيثُ تبدّل خطابُ ساعة الصفر والمناورات العسكرية الواسعة، إلى حديثٍ عن مسارات دبلوماسية بدأت ملامحُها تتبلور في تركيا ثم انتقلت بطلب إيراني وموافقة أمريكية إلى العاصمة العمانية مسقط.

هذا التحول يطرح تساؤلات جوهرية حول لغز التراجع الأمريكي في وقتٍ بلغت فيه الحشود العسكرية مستويات غير مسبوقة، ولعل الإجَابَة تكمن في كواليس التقارير الاستراتيجية؛ إذ حذّر مركَزُ الدراسات الاستراتيجية والدولية “سي إس أي إس” من أزمة حقيقية تواجه واشنطن تتعلق بنفاد مخزون الصواريخ الاعتراضية واستنزاف الذخائر نتيجة الدعم المُستمرّ لجبهتي أوكرانيا وكيان العدوّ الإسرائيلي؛ ممّا جعل الجاهزية الأمريكية الحالية محل شك أمام مواجهة شاملة مع خصم بقوة إيران.

وهُنا تبرز فرضيتان: الأولى ترى في التفاوض مناورة أمريكية لكسب الوقت واستعادة الجاهزية قبل توجيه ضربة مباغتة، والثانية تذهب إلى أنّ واشنطن تراجعت فعليًّا لإدراكها أنّ قدراتها الدفاعية بالمنطقة لا تتحمل تبعات حرب استنزاف واسعة النطاق.

وفي مقابل هذا الحذر الأمريكي، تبنَّت طهران استراتيجيةَ رفع السقف العسكري قبل خفضِ السقف السياسي، وهو ما تجلَّى بوضوح في الجولة الميدانية لرئيس أركان الجيش الإيراني برفقة قائد القوة الجوفضائية على وحدات الصواريخ الاستراتيجية، في رسالةٍ مباشرة تهدفُ إلى فكّ الارتباط بين المِلف النووي التفاوضي والبرنامج الصاروخي الذي تعتبره إيران جزءًا لا يتجزأ من أمنِها القومي وعقيدتها القتالية التي تحوَّلت من الهجين الدفاعي إلى الهجوم التعرُّضي.

ومن خلال هذا التحشيد الصاروخي، أرسلت طهران رسائلَ متعددةَ الأبعاد؛ أولها لأمريكا بأنه “لا تفاوُضَ تحت الضغط”، وأنّ أي استهداف سيؤدي لتفجير شامل للمنطقة، وثانيها لكيان الاحتلال الإسرائيلي بأنّ أي عمل منفرد سيواجَه بعمليات تطال كافة الأهداف في الداخل المحتلّ، مع التأكيد على أنّ القدرات الإيرانية حقيقة وليست مُجَـرّد نظريات.

وبينما تتجه الأنظار إلى محادثات الجمعة المقبلة، بغض النظر عمّا طرأ اليوم من تطورات تتبناها وسائلُ إعلام صهيونية، تؤكّـد الحقيقة الميدانية أنّ إيران، بصفتها القوة الصاروخية الأكبر في المنطقة بامتلاكها ترسانة من الصواريخ الاستراتيجية والمضادة للسفن والطائرات المسيّرة، لن تقبل بربط مسارها الدبلوماسي بتنازلات تمس قدراتها الردعية، ليبقى التساؤل معلقًا: هل تنجح الدبلوماسية في نزع فتيل الأزمة، أم أنّ هدوء “مسقط” ليس سوى الاستراحة التي تسبق العاصفة؟