لماذا يكون المعاند للحق أخطر من الطاغية ؟
جرى العرف الاجتماعي على ربط مفاهيم الطغيان والاستكبار بالمال والسلطة والمناصب، حتى أصبح الجبار في الوعي العام هو الحاكم أو المتنفذ أو صاحب الثروة، غير أن الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه يفكك هذا التصور السائد، ويعيد تعريف الاستكبار بوصفه حالة نفسية وسلوكية قبل أن يكون موقعاً اجتماعياً أو نفوذاً ظاهرياً، محذراً من نوع أخطر من الجبابرة، بل ووصفهم بأسوأ الناس وهم المعاندون للحق والساخرون منه وهم في حالة استضعاف.
أعده للنشر / طارق الحمامي
الاستكبار روح خبيثة تسكن صاحبها
يؤكد الشهيد القائد أن التكبر والتجبر لا يختصان بأصحاب المقامات الرفيعة أو الثروات، فكم من فقير يحمل في داخله نفسية طاغية، متجبر بمنطقه، متعالٍ بموقفه، عنيد بإصراره، هذا الصنف لا يظهر جبروته إلا بحدود ما يملك، لكن لو أُتيحت له فرصة أو مُنح منصباً أو وظيفة، لانكشف طغيانه واتسع أثره، والواقع الاجتماعي يقدم شواهد كثيرة على ذلك.
الطغيان الصغير أخطر مما يُتصور
يلفت الشهيد القائد إلى أن الاستكبار قد يُسجل على الإنسان حتى وإن لم يملك سوى أسرته، فالإنسان السيئ الخلق مع أهله، الذي يدخل بيته فيسوده الخوف والرهبة، يُكتب عند الله جباراً، وإن لم يكن له سلطان ولا نفوذ، وهذا ما تؤكده ظواهر واقعية منتشرة، حيث يعوض بعض الأفراد فشلهم أو قهرهم الاجتماعي بممارسة القسوة داخل الأسرة، محولين البيت إلى مساحة استبداد، وهو ما يثبت أن الجبروت يُقاس بطبيعة السلوك لا بحجم السيطرة.
معاندة الحق والسخرية منه هو جوهر الاستكبار الحقيقي
يضع الشهيد القائد يده على أخطر صور الاستكبار، وهي استنكاف الإنسان عن الحق، ورفضه له، والسخرية من مواقفه وأهله، فالمعاند للحق يحمل في داخله مشاعر علو وعتو، حتى وإن كان فقيراً أو مهمشاً أو مستضعفاً أمام غيره، مستشهداً بقوله تعالى: {وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً}، وهنا لا يتحدث القرآن عن متسلط، بل عن إنسان يسمع الحق ثم يصر على موقفه استكباراً، وهو ما يتجلى اليوم في واقع وسائل التواصل الاجتماعي، حيث نجد أفراداً بلا تأثير حقيقي، لكنهم يمارسون السخرية من القيم، والاستهزاء بالقضايا العادلة، لا لقوة حجة، بل رفضاً نفسياً للالتزام بالحق، واعتبارات الولاء لأعداء الله أو الانتماءات الضيقة والمقيتة بكل أشكالها .
الاستضعاف لا يمنح حصانة أخلاقية
من أهم ما يرسخه الشهيد القائد أن الاستضعاف الاجتماعي أو الاقتصادي لا يعفي الإنسان من المسؤولية الأخلاقية، فقد يكون المرء مظلوماً من جهة، لكنه مستكبر في موقفه من الحق، وقد يكون مقهوراً أمام طغاة، لكنه يحمل ذات الروح الطاغية في داخله، التاريخ بدوره يزخر بأمثلة لقادة بدأوا حياتهم ضعفاء أو مضطهدين، لكنهم حين امتلكوا السلطة مارسوا بطشاً يفوق من سبقوهم، ما يؤكد أن المظلومية وحدها لا تصنع إنساناً عادلاً، ما لم تُهذب النفس بالحق وهي في موضع الضعف.
النفس الفرعونية والحشر مع الطغاة
يبين الشهيد القائد أن من يحمل مشاعر الاستكبار يُحشر يوم القيامة مع فرعون ونمرود وأمثالهم، حتى وإن لم تتح له فرصة الطغيان في الدنيا، فالميزان الإلهي لا يقف عند حدود الإمكانات، بل يقيس النية والموقف والروح، وهذا ما يفسر كيف ينقلب أولئك الذين كانوا يرون أنفسهم في علو إلى حالة من الانكسار الكامل يوم القيامة، كما يصور القرآن مشاهد الحسرة والندم، {يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ} ، وفي وقله تعالى : {ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ الْعَذَابِ} ، وقوله تعالى : {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}، عبارات ندم وانكسار ستتردد بصيغ مختلفة على ألسنة كثير من المتجبرين في لحظات الحساب يوم القيامة، لتكون شهادة واقعية أكدها التحذير القرآني.
أسوأ الناس من جمعوا ضعف الموقع وسوء الموقف
يصل الشهيد القائد إلى نتيجة بالغة الخطورة، تؤكد أن أسوأ الناس ليسوا فقط من تجبروا وهم أقوياء، بل من عاندوا وسخروا من الحق وهم ضعفاء، لأنهم جمعوا بين ضعف الموقع وسوء الموقف، وحملوا مشروع طغيان مكبوتاً في داخلهم، هذه الرؤية العميقة للشهيد القائد رضوان الله عليه تمثل تشخيصاً دقيقاً لسنن نفسية واجتماعية ثابتة، تضع كل إنسان أمام سؤال حاسم، أين أقف من الحق؟ فالمعيار عند الله ليس ما نملك، بل كيف نقبل الحق حين يُعرض علينا.
يمانيون.