الاستراتيجية الاستباقية لشهيد القرآن: رؤية قرآنية لمواجهة التحديات الكبرى في عصر الاستكبار الأمريكي

الاستراتيجية الاستباقية لشهيد القرآن: رؤية قرآنية لمواجهة التحديات الكبرى في عصر الاستكبار الأمريكي


في لحظة حرجة من تاريخ الأمة الإسلامية الحديث، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتفرد الولايات المتحدة بقيادة النظام العالمي الجديد، ساد الإرباك والخوف والارتباك في الساحة العربية والإسلامية. كانت الأنظمة الرسمية متواطئة أو عاجزة، بينما كانت الشعوب تعيش حالة من التشتت والخوف، محاصرة بثقافة الهزيمة والخضوع. وسط هذا المشهد، ظهر صوت قرآني مختلف، هادئ في نبرته، عميق في رؤيته، وحاسم في موقفه، قادم من صعدة… من رجلٍ قرأ القرآن بعين المسؤولية وقرأ الواقع بعقل مستنير وإيمان صادق.

استحضار سيرة الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه في ذكراه السنوية ليس مجرد استعادة لحدث مضى، بل قراءة واعية لمسار بدأ مبكرًا واستُهدف مبكرًا لأنه لامس جوهر المعركة الحقيقية للأمة. فقد جسد القائد نموذجًا للوعي الاستراتيجي الذي يربط بين التشخيص القرآني للأحداث وبين تطوير أدوات مواجهة عملية، مؤكدًا أن السكوت عن المؤامرات هو أول أبواب الهزيمة، وأن أي موقف واعٍ يبدأ بالقراءة الصحيحة للواقع وربطه بالمرجعية القرآنية.

المشروع القرآني: قراءة واقعية للتهديد

في تسعينيات القرن الماضي، ومع انهيار الاتحاد السوفيتي وفرض الهيمنة الأمريكية، رصد الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه خطر المشروع الاستعماري الجديد، ليس كعدو عسكري فقط، بل كأداة لإعادة برمجة المجتمع وإخضاعه للخضوع والاستسلام. بدأ بصياغة رؤية قرآنية متكاملة تربط تشخيص الواقع بأدوات مواجهة عملية، مؤكدًا أن المعركة تبدأ بالوعي الجماعي والفردي، وأن تغييب البصيرة هو أخطر أسلحة الهيمنة، فالسيطرة على العقل قبل الأرض مفتاح إخضاع الشعوب.

أحداث 11 سبتمبر 2001 كشفت خطة أمريكية شاملة للهيمنة، تشمل القوة العسكرية والسيطرة الفكرية والثقافية، من أفغانستان إلى العراق، مع تدخل في المناهج والخطاب الديني لإعادة تشكيل وعي الشعوب بما يخدم مصالحها. من منظور الشهيد القائد رضوان الله عليه، لم تكن هذه أحداثًا عشوائية، بل مؤشرًا على حجم التحديات الفكرية والثقافية التي تواجه الأمة، ومؤكدًا أن مواجهة هذه المرحلة تتطلب وعيًا جماعيًا متجذرًا وفهمًا دقيقًا لخطة الأعداء قبل أي مواجهة سياسية أو عسكرية.

في ظل العجز الجماعي للأنظمة العربية والإسلامية، وأمام شعبيات عاجزة عن الفعل المقاوم، برز مشروع الشهيد القائد رضوان الله عليه كخط دفاع حقيقي للوعي القرآني. ربط المشروع بين الواقع السياسي والاجتماعي والموقف القرآني، محذرًا من الخضوع للهيمنة، ومؤكدًا أن أي مواجهة حقيقية تبدأ بفهم طبيعة العدو وأساليبه قبل مواجهة أدوات القوة المادية، وأن بناء وعي شعبي مستقل هو الأساس لمواجهة التحديات الكبرى وحماية الأمة من الانصياع للمشروع الاستعماري.

القرآن مرجعية المعركة: قراءة استباقية

في خضم هذا الواقع الملبد بالتهديدات، برز الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه برؤية استباقية فريدة، لم تنطلق من حسابات سياسية آنية، بل من القرآن الكريم بوصفه كتاب هداية ومرجعية عملية للحياة والموقف. فقد كان لديه إدراك استراتيجي بأن المعركة الحقيقية للأمة لا تقتصر على ميادين القتال، بل تبدأ في الوعي الجماعي والفردي، وأن أخطر ما قد تواجهه الأمة هو تغييب البصيرة، وإقناع الناس بأن الاستسلام أو الرضا بالواقع المفروض هو الخيار الطبيعي والوحيد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ركز الشهيد القائد رضوان الله عليه، في تحليله على فهم طبيعة العدو وكشف أهدافه وأساليبه بعمق، محذرًا من التعايش مع الهيمنة تحت شعارات براقة مثل الحرية والديمقراطية، ومشيرًا إلى أن استعادة قدرة الأمة على الفعل تبدأ من استرجاع الوعي بالمرجعية القرآنية، وفهم المخاطر قبل مواجهة أدوات القوة المادية. لقد نجح رضوان الله عليه في تحويل القرآن من مجرد كتاب شعور ديني إلى مرجعية عملية لتشخيص الواقع ووضع استراتيجيات فاعلة، مؤكدًا أن أي مشروع وعي لا يرتكز عليه سيبقى هشًا أمام الهجوم الشامل على الأمة.

كانت هذه القراءة الاستباقية محركًا للوعي الجماعي، تنقل الأمة من حالة رد الفعل إلى موقف واعٍ، ومن الانفعال العاطفي إلى التحليل الاستراتيجي المبني على فهم معمّق للحقائق، ومن الخوف إلى القدرة على تحديد خطوط المواجهة الحقيقية. لقد جعل الشهيد القائد القرآن البوصلة التي توجه الموقف وتضمن الاستعداد الفكري قبل أي مواجهة ميدانية، مسخرًا كل معرفة وثقافة لإعادة بناء القدرة على الفعل الوطني المقاوم.

المشروع القرآني: الدين في الميدان

لم يكن المشروع الذي أسسه الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه مجرد خطاب ديني أو تأمل نظري، بل مشروعًا عمليًا متكاملًا يربط القرآن بالحياة اليومية والموقف الجماعي. لقد أدرك مبكرًا أن فصل الدين عن قضايا الأمة الكبرى وتحويله إلى حالة روحية منعزلة هو أحد أشد أساليب الاستهداف، لأنه يسهّل إخضاع المجتمعات وإفراغها من قدرتها على الحكم والوعي، ويترك الإنسان غريبًا عن واقعه ومفتقدًا لبوصلة القرار المستقل.

أسس الشهيد القائد مشروعه على مجموعة من القواعد المتينة: حاكمية القرآن على كل شؤون الحياة، وتصحيح المفاهيم المغلوطة التي رسخت الذل والخنوع، وإحياء المسؤولية الجماعية، وبناء الثقة بالله بدل الاعتماد على القوى المستكبرة. هذا التأسيس جعل المشروع متكاملًا، وغير قابل للاحتواء أو التخفيف، لأنه لا يخضع لمعادلات السلطة، ولا يتبع حزبًا، بل يتجاوز الزمان والمكان ليصبح منهجًا للفعل والوعي المستقل، ومرجعية لإعادة صياغة الوعي الشخصي والجماعي.

ولم يقتصر المشروع على الجانب الفكري فقط، بل ربط الشهيد القائد بين الإيمان بالموقف والفكر بالعمل، بحيث يصبح كل فعل مقاومة قرآنيًا بالقدر ذاته الذي هو سياسي وثقافي. هذا النهج حول المشروع إلى نموذج استراتيجي شامل لإعادة تمكين الأمة من وعيها وقدرتها على مواجهة التحديات الكبرى، وجعل القرآن مرجعًا حيًا لتحديد الأولويات، وصياغة الخطط، ومواجهة محاولات الهيمنة الفكرية والثقافية.

بهذا المنطق، أصبح المشروع القرآني الذي أسسه الشهيد القائد ليس مجرد خطاب يُسمع ويُقرأ، بل أداة عمل واستراتيجية واضحة لتغيير الواقع، واستنهاض الأمة من حالة الانكسار والخضوع، وتحويل الموقف الفردي والجماعي إلى قوة قادرة على مواجهة كل التحديات الكبرى.

الصرخة: كسر حاجز الخوف

في 17 يناير 2002، أطلق الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه شعار الصرخة في وجه المستكبرين، كفعل عملي كسر حاجز الخوف الذي ساد الأمة لعقود، ونقل الجماعة من الصمت إلى الموقف، ومن الخنوع إلى الشعور بالمسؤولية. كما قال في محاضرة له: «إذا كان الأمريكيون يدخلون بلادنا تحت ذرائع واهية، فالموقف الصحيح هو ألا نرضى بهذا ولا نقف مكتوفي الأيدي… فإن الكيد الحقيقي للعدو لا يظهر إلا لمن يفهم المخاطر حق فهمها.»

كانت الصرخة أيضًا إعادة تسمية للأشياء بأسمائها، حيث أكّد الشهيد القائد أن مواجهة الهيمنة ليست فعلًا عسكريًا فقط، بل موقف فكري وأخلاقي. وفي محاضرة أخرى شدّد: «إذا وصل الأمريكيون إلى أرضنا، هل جاؤوا لخدمتنا؟ أم لتحقيق مآربهم؟… سكوتنا هو الذي يفتح الباب أمام استغلالهم لنا.» من خلال هذا الموقف، حوّل الشهيد القائد الفهم القرآني للواقع إلى قاعدة عملية للتصرف، مؤكّدًا أن الخطورة الكبرى ليست في الأرض المحتلة فقط، بل في العقل المذعور الذي يستسلم قبل القتال.

كان للصرخة أثر مزدوج: داخليًا أعادت ثقة الأمة وحرّرت وعيها من ثقافة الهزيمة، وخارجيًا أظهرت للعدو أن السيطرة على الشعوب لا تتحقق بالإرهاب العسكري وحده، بل بالموقف الفكري والمعنوي. لم تكن الصرخة عفوية، بل جزءًا من مشروع شامل يربط بين الوعي والفعل، وجسدت نموذج القائد المؤمن الذي يحوّل القراءة القرآنية للواقع إلى استراتيجية عملية للمقاومة، مؤكدًا أن الشجاعة تبدأ بالوعي والمعرفة والموقف المبكر قبل أي مواجهة بالسلاح.

الوعي خط أحمر: المواجهة المبكرة

رغم أن تحرك الشهيد القائد رضوان الله عليه في بداياته كان ثقافيًا وتوعويًا، إلا أن السلطة تعاملت معه كخطر استثنائي. فمشروعه الذي يحرّر الإنسان من الخوف ويمنحه معيارًا قرآنيًا للحكم على الواقع كان أخطر من أي تحرك عسكري محدود، إذ كانت الهيمنة بحاجة إلى السيطرة على وعي الشعوب، وأي مشروع يحرّر الوعي يصبح خطًا أحمر لا يمكن التسامح معه.

بدأت المواجهة بالتضييق الإعلامي والتحريض، ثم التصعيد العسكري وصولًا إلى المواجهة الشاملة، ما يعكس تهديد المشروع للقوى القائمة. وفي سبتمبر 2004، ارتقى الشهيد القائد رضوان الله عليه شهيدًا، تاركًا مشروعًا حيًا مستمرًا يتجاوز الزمان والمكان. الهجمة لم تكن محلية فحسب، بل نفّذت بتوجيهات أمريكية، إذ دعمّت واشنطن الأجهزة الأمنية اليمنية بالتدريب والمعلومات الاستخباراتية، ورأت في المشروع القرآني للشهيد القائد تهديدًا استراتيجيًا للهيمنة وإعادة تعريف العدو.

الهجوم لم يكن على شخصه فحسب، بل على مشروع كامل وبيئة قرآنية تتشكل في صعدة. شملت الحملة تضليلًا إعلاميًا، اتهامات جاهزة، شيطنة الخطاب القرآني، واستخدام القوة العسكرية ضد المدنيين، بهدف كسر الحاضنة الاجتماعية وإرسال رسالة ردع لأي مشروع وعي مشابه. غير أن الدم الذي سُفك كشف زيف الرواية الرسمية وأثبت أن المعركة كانت قبل كل شيء معركة وعي قبل أن تكون معركة سلاح.

الاستشهاد الذي أسقط الرهان

راهن خصوم المشروع على أن استشهاد القائد سيُنهي المسار، لكن ما حدث كان العكس تمامًا. فقد تحوّل الاستشهاد إلى شهادة صدق على المشروع، وانتقل الوعي من دائرة محدودة إلى فضاء أوسع، وترسّخت المسيرة القرآنية كحالة شعبية متجذرة.

لقد أثبتت السنوات أن المشروع لم يكن مرتبطًا بشخص، بل بفكرة حيّة، وأن الدم الذي سُفك لم يُطفئ النور، بل زاده حضورًا وتأثيرًا. واستمرت ملازمه ودراساته ومبادئه تنتقل للأجيال، لتصبح أدوات الوعي القرآني والفكري حاضرًا في كل جوانب الحياة الفكرية والسياسية والثقافية للأمة.

معيار الموقف: مشروع حي ومستمر

إن الحديث عن الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه ليس حديثًا عن الماضي، بل عن معيار حاضر. فقد قدّم للأمة نموذج القائد الذي يقرأ القرآن بوعي، ويتحمل المسؤولية بشجاعة، ويواجه الطغيان بالكلمة والموقف، ليصبح موقفه معيارًا للفعل والوعي.

وفي زمن تتساقط فيه الأقنعة وتتكشف الحقائق، تتجدد الحاجة إلى ذلك الصوت القرآني الصادق الذي قال مبكرًا: “الوعي هو بداية التحرّر، وإن الصمت هو أول أبواب الهزيمة.” سلامٌ على الشهيد القائد يوم وُلد، ويوم تحرّك بالقرآن، ويوم ارتقى شهيدًا، ويوم يُبعث حيًا.

 

 

موقع 21 سبتمبر.