بين مطار صنعاء ومطارات السعودية.. مفارقة الردع التي لم تكن في الحسبان


تقرير |   وديع العبسي

في الثالث عشر من يوليو الماضي، حين أطل الزيغ السعودي بوجهه مجددا، وعاود عدوانه على اليمن، لم يكن مستغربا أن يمتد لهيب غِله ليجعل من مطار صنعاء الدولي هدفه الأول، تماما كما حدث قبل اثني عشر عاما، يوم أطلق لحقده العنان، ليحصد أرواح الشعب اليمني الأعزل ويستبيح مقدراته القومية.

لقد كان عدواناً خالصاً في القبح، عارياً من أي سياقٍ سياسي أو دواعٍ عسكرية يمكن أن تمنح جريمته غطاء مشروعاً أو تبريراً منطقيا أمام الملأ. فلم تكن ثمة صواريخ باليستية تتهيأ في منصاتها للتحليق نحو عمقه المكشوف، ولا كانت صالات الوصول والمغادرة تُخفي تحت بلاطها مخازن أسلحة أو أهدافاً استراتيجية خبيئة كما يُروّج زيفاً. بل كان استهدافاً محشواً بالحقد لرمزٍ مدنيّ خدميّ يربط الشعب بالعالم، في محاولة بائسة لفرض سياسة التجويع والحصار الشامل، وتحويل المنشآت الحيوية التي تخدم البسطاء والمرضى والمسافرين إلى مسرحٍ لرسائل الرعب والاستعراض العسكري العقيم.

من هنا، استخلصت تحليلات المراقبين والخبراء حينها أن الهدف الميداني كان أشد خباثة وأعمق غلا من كل الذرائع الواهية المعتادة؛ كان الهدف الحقيقي هو منع طائرة مدنية واحدة، قادمة من الجمهورية الإسلامية، كانت تقل وفداً يمنيا وعددا من المواطنين اليمنيين العالقين، لمنعهم من الهبوط على تراب وطنهم، وإحكام خناق القهر النفسي والجغرافي على شعب بأكمله.

حصار بلا أي وظيفة استراتيجية

مثلت تلك اللحظة الحرجة التكثيف الرمزي والأخلاقي لأزمة طال أمدها، وتجاوزت كل المنطقيات والحدود العسكرية المتعارف عليها، لتميط اللثام عن حقد جرى ترجمته إلى عدوان وحصار غاشم لم تعد له أي وظيفة استراتيجية أو حربية سوى الإمعان المجرد في القهر، والابتزاز المباشر، وممارسة حب السيطرة على اليمنيين.

وحين أعلنت وزارة الصحة العامة والبيئة -في مؤتمرها الصحفي الأخير يوم الخميس- أن شلل الحركة الجوية في مطار صنعاء “لم يعد إجراء عسكريا أو سياسيا، بل تحول إلى عقاب جماعي مباشر يتهدد حياة ملايين اليمنيين”، فإنها لم تكن تطلق مجرد تصريح سياسي، وإنما تضع الإصبع على جرح تنزف منه الإنسانية، فأكدت الوزارة بلسان المعاناة اليومية الصارخة أن أوجاع المرضى لا تنتظر التوازنات السياسية، وأن الدواء المبرد لا يحتمل التسويف، وأن الطفل المعتصر بأوجاع السرطان لا يملك ترف الانتظار لوقت غير معلوم.

يؤكد الإصرار السعودي في فرض الحصار على مطار صنعاء بأن القصف المتواصل للأعيان المدنية -وفي مقدمتها هذا المنفذ الشرياني الحيوي، فضلا عن المساكن والأسواق والمستشفيات- لم يكن مجرد آثار جانبية لـ”نزاع مسلح”، وإنما فعلاً عمدياً ضمن سجلٍّ متكامل وموثق من الانتهاكات الجسيمة والسقوط الأخلاقي المدوّي، الذي وثّقت تفاصيلَه تقاريرُ كبرى المنظمات الدولية.

مفارقة تاريخية وأخلاقية بامتياز

وتثبت التطورات الميدانية -بغموضها وحنكة إدارتها- أنها الصانع الأول للمفارقات التاريخية الأشد عمقاً وإيلاماً للظالمين، فبينما سعى السلوك الإجرامي في يوليو الماضي إلى إبقاء الطائرة اليمنية عالقة بين شاشات الرادار والمطارات الخارجية، وحرمان اليمنيين من حقهم الإنساني الطبيعي في العودة إلى وطنهم، جاءت المعطيات الميدانية اليوم والموثقة بالدليل القاطع عبر “فلايت رادار” بصورة معاكسة، حيث الطائرات عالقة وتائهة في أجواء السعودية تخشى مغامرة الهبوط، وحيث المطارات قد أخلت الطائرات من ساحاتها ومدارجها، كما أعلنت كبرى شركات الطيران العالمية عن إيقاف رحلاتها إلى الأراضي السعودية، باعتبارها أصبحت غبر آمنة، نتيجة المخاطر والاضطرابات الأمنية الناجمة عن العمليات العسكرية اليمنية.

ويجسد هذا المشهد الاستثنائي مفارقةً تاريخية وأخلاقية بامتياز؛ تكشف عن التحول في قواعد اللعبة، وتختصر جوهر المعادلة الاستراتيجية “الحصار بالحصار، والتصعيد بالتصعيد”. إنها لحظة فارقة لا تُسقط فقط أوهام السيطرة الجوية المطلقة التي توهم العدو امتلاكها، بل تعيد أيضاً ترسيم حدود الردع؛ حيث يتداعى كبرياء البطش أمام حق الشعوب في الدفاع عن كرامتها وعيشها، ليتحول الفعل العدواني نفسه إلى خناق يلتف حول عنق صانعيه، معلناً بداية عهد جديد لا تُسلَب فيه حقوق اليمنيين دون ثمن باهظ تُقاس أبعاده بأمن العدو واستقراره الملاحي والاقتصادي. فالمعتدي السعودي، الذي ظنّ لسنوات طويلة أنه بمعزل عن التبعات، واستمرأ التحكم بأجواء اليمنيين وفرض الحرمان المطلق عليهم من حركة الطيران المدني تحت مظلة الحماية الدولية والاطمئنان الواهم، يجد نفسه اليوم، وبفعل ضربات رد الفعل اليمني الميداني الحاسمة، مجبراً على تجرّع الكأس ذاتها. إنه يتذوق اليوم مرارة الارتباك الملاحي، والشلل التشغيلي الممتد، والخوف المقيم في أفئدة المسافرين وساحات مطاراته الرئيسية؛ حيث تحولت أجواؤه، التي كان يُفترض أنها آمنة ومحمية، إلى مسرح مفتوح للاضطراب والقلق الاستراتيجي الذي لا يمكن إخفاؤه أو التغطية عليه بالبيانات الإعلامية.

خط الدفاع الأول عن أمة

من هنا يكشف التخبط الذي يعيشه النظام السعودي اليوم عن سيطرة وعمق النزعة العدوانية الشديدة التي ينتهجها تجاه اليمنيين؛ وهي نزعةٌ يتكشف يوما بعد يوم بُعدها الاستعماري، حيث تأتي تنفيذاً لمشروع توسعي تديره وتوجهه وتشارك فيه بوضوح مكشوف أمريكا و”إسرائيل”. وهو المشروع الذي يهدف -في جوهره- إلى منع اليمن العظيم من امتلاك حريته، واستعادة استقلال سيادته الوطنية، والتحرر النهائي والناجز من كافة أشكال الوصاية التاريخية.

وتدرك دوائر الصنع الاستكباري تماماً أن خطورة التحرر اليمني تتجاوز الجغرافيا المحلية إلى معادلات الإقليم برمتها؛ إذ باتت على قناعة راسخة بأن خروج “شعب الإيمان والحكمة” من نطاق السيطرة والنفوذ يمثل تهديداً مباشراً ووجودياً لكافة المشاريع الاستعمارية الراغبة في بسط هيمنتها على المنطقة بأكملها. ومن هنا، يتحول الصمود الميداني والمواجهة اليمنية إلى خط الدفاع الأول عن أمة بأكملها، في وجه مخططات التجريف والتركيع. كما تثبت وقائع الصراع المتلاحقة أن استهداف اليمن يرتكز -في الأساس- على رغبة غربية وصهيونية عارمة في كسر أي نموذج سيادي عربي يرفض الارتهان والتبعية. واستنادا إلى هذه الحقيقة الحاكمة، يتبين أن الحصار المضروب على مطار صنعاء الدولي وبقية منافذ البلاد البحرية والبرية ليس سوى محاولة يائسة في اتجاه الهدف، لإخضاع شعب أشم، رفض المساومة على كرامته وسيادته، فاصطدمت كل تلك المحاولات بصخرة الصمود الصلبة والوعي الشعبي والقيادي اليمني العصي على الانكسار.

من الحصار إلى ورش تصنيع تنبض بالتحدي

وبالنظر العميق إلى أصل الذرائع السياسية والعسكرية التي طالما برر بها تحالف العدوان “السعودي–الأمريكي” فرض هذا الحصار الظالم، يتبدى الانهيار الاستراتيجي المدوّي للخطاب الرسمي الذي روج له الإعلام الموالي للعدوان. فعندما أُغلق مطار صنعاء الدولي لأول مرة، كانت الذريعة التي يسوقها التحالف للرأي العام الدولي هي منع تهريب الأسلحة وقطع غيار المنظومات العسكرية، وتجفيف منابع القوة التسليحية للقوات المسلحة اليمنية. غير أن الواقع التجريبي والميداني، وبعد مرور سنوات، أثبت أن هذا الحصار العسكري الشامل تحول من أداة لشل القدرات وإخضاع الإرادة إلى وقود دافع ومحرك استثنائي للتصنيع العسكري الحربي والاعتماد المطلق على الذات. إذ تحولت هذه البيئة المحاصرة من كل جانب إلى ورش ومصانع تنبض بالحياة والتحدي، وتنتج أعتى المنظومات الصاروخية الباليستية والمجنحة، والصواريخ المتشضية والفرط صوتية، بالإضافة إلى الطائرات المسيرة والأسلحة البحرية ذات التكنولوجيا المعقدة الفائقة، والتي أثبتت عمليا بطلان كل الادعاءات السابقة.

هذا التفوق التسليحي الفريد، الذي ينفرد به اليمن المحاصَر اليوم وتفتقر إليه معظم الدول العربية على الرغم من موازناتها المليارية الضخمة وشراء أحدث ما تنتجه المصانع الغربية، يثبت دحض وسقوط الدعوى العسكرية المزعومة للحصار بشكل كامل وقاطع. فإذا كانت الصواريخ الباليستية الدقيقة والطائرات المسيرة بعيدة المدى التي تهز اليوم عروش قوى الهيمنة، والتي نجحت بالأمس في فرض حصار بحري محكم على الكيان الصهيوني في البحر الأحمر والمحيط الهندي واليوم تطال الملاحة السعودية بجناحيها البحري والجوي، تُصنَع وتُطوَر بأيد وعقول يمنية خالصة في الداخل المحاصَر ذاته، فإن القول بأن مطار صنعاء يغلق لغرض “منع تهريب السلاح” يتهاوى كليا، ويسقط فنيا وعسكريا وميدانيا.

وبناء على ذلك، فإن بقاء هذا الحصار واستمراره حتى اللحظة لا يعبر إلا عن رغبة انتقامية سعودية عارمة، وإمعان مجرد في إيذاء المواطن اليمني، وقهر المرضى والمدنيين، واستخدام معاناتهم الإنسانية كأوراق ضغط وابتزاز سياسي ورخيص، لا يمت لأخلاقيات الحروب ولا لشرف الخصومة بأية صلة.

جريمة العصر الموثقة

البعد الإنساني والصحي لاستمرار الحصار يكشف النقاب عن جريمة إبادة جماعية بطيئة وممنهجة، ترتكب جهارا نهارا وعلى مرأى من العالم، بعيدا عن مسارح القتال العسكري المباشر. إذ تضم قوائم الانتظار الحرجة في وزارة الصحة بصنعاء آلاف الحالات المستعصية من مرضى الأورام السرطانية والأمراض المزمنة، الذين يتطلب إنقاذ حياتهم سفرا عاجلا لتلقي العلاج الإشعاعي أو الرعاية الطبية المتقدمة غير المتوفرة داخل البلاد بفعل الحصار المدمر. وقد وثقت مؤسسات أممية ودولية بارزة هذه المأساة الإنسانية عن قرب؛ حيث حذر مكتب المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، ومكتب منسق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة مرارا من التداعيات الكارثية والمأساوية لاستمرار إغلاق مطار صنعاء الدولي أمام الرحلات المدنية والإنسانية. كما أصدرت منظمة الصحة العالمية تقارير دورية متلاحقة تنذر بانهيار فرص نجاة مرضى الأورام والأمراض المزمنة في حال استمرار هذا الوضع النازف.

وإلى جانب المؤسسات الأممية، وثقت كل من “منظمة العفو الدولية” و”منظمة هيومن رايتس ووتش” -في تقارير حقوقية رسمية وميدانية- أن استمرار إغلاق المطار وتقييد حركة المدنيين والمرضى يمثل عقابا جماعيا صارخا وشديد القسوة، يخالف -بشكل صريح ومباشر- أحكام القانون الدولي الإنساني ومواثيق حقوق الإنسان.

شراء المواقف برنين المال

إلى ذلك وفي مقابل هذه المظلومية اليمنية البيّنة، وهذا السقوط الأخلاقي المدوّي والتجسيد الصارخ للانحطاط الذي بلغه المعتدي السعودي، يقف العالم والمؤسسات الأممية في حالة من التباين والازدواجية؛ بين بيانات إدانة محذرة لا تسمن ولا تغني من جوع، ومواقف سياسية محكومة بنفوذ المصالح المالية الضخمة، وصفقات التسليح الكبرى، والضغط السياسي النافذ. والمثير للشفقة، أن القِلة هم من يحصلون على القيمة المادية لمواقفهم، إذ لا ينال الجميع نصيبا متساويا من عائدات هذه المواقف السلبية؛ فتتدفق أموال النفط السعودي ونفوذها الاقتصادي نحو عواصم القرار الدولي لتشتري صمتها المخزي، وتضمن غطاء دبلوماسيا لجرائم الحصار، بينما يعتاش آخرون من الهيئات والمتطلعين على رنين المال والوعود الاقتصادية البراقة.

ورغم كثرة الندوات والتقارير الصادرة عن مكتب المبعوث الأممي، ومنظمة الصحة العالمية، والمنظمات الحقوقية الدولية التي نادت بالرفع الفوري وغير المشروط للحصار عن مطار صنعاء، إلا أن ازدواجية المعايير الدولية تبقى واضحة جليّة كالشمس؛ فحين تتعرض مصالح خطوط التجارة الغربية أو الملاحة الصهيونية لأي تهديد، تتحرك القوى الدولية فورا وتُعقد جلسات مجلس الأمن في غضون ساعات، بينما يترك ملايين اليمنيين يموتون ببطء تحت الحصار، وتُقصف مطاراتهم المدنية دون أن تتحرك آلية دولية حقيقية لإنصافهم أو إيقاف الجريمة.

في الخلاصة، لا شك بأن عدوان الثالث عشر من يوليو استهدف المطار ليعيد التأكيد على استمرار المحاولات اليائسة لكسر إرادة اليمنيين، غير أن المعادلة اليوم قد تبدلت كليا بفعل الصمود الأسطوري والتطور الميداني المذهل. فقد أثبت الشعب اليمني للعالم أجمع أنه قادر على كسر الهيبة الهشة، وفرض معادلاته السيادية الخاصة؛ وأن الحصار الذي أريد له أن يكون وسيلة لإخضاع هذا الشعب العظيم قد استحال -بفضل الله سبحانه وتعالى- صانعا لتحول استراتيجي تاريخي أربك كل حسابات المعتدين، وأكد -بملء الفم وبكل يقين- أن الأوان قد آن لرفع الحصار كليا ودون شروط، والانتصارِ للسيادة اليمنية وإرادة شعب حر لا يقبل الهوان، ولا يرضى للكرامة بديلا.

 

 

موقع أنصار الله