الاستنزاف اليمني يُسقط فرضية الحسم ويضع الرياض أمام الخيارات المُرّة

الاستنزاف اليمني يُسقط فرضية الحسم ويضع الرياض أمام الخيارات المُرّة


​خاص – «الجوف نت»

​لم يكن المشهد العابر لمطار الملك خالد الدولي بالرياض، وما شهده من إلغاء لآلاف الرحلات الجوية، وتعليق كبرى شركات الطيران العالمية خدماتها، وتوجيه موظفي الأبراج الاقتصادية الكبرى للعمل القسري من المنازل “حتى إشعار آخر”، مجرد عارض أمني عابر؛ بل كان بمثابة لحظة الارتطام الكبرى بين الأسطورة التسليحية والواقع الميداني، واللحظة التي انهارت فيها نهائياً “فرضية القوة المطلقة” التي استندت إليها الرياض طويلاً في حساباتها الإقليمية.

​بين ميزانيات دفاعية تلامس سقف التخيلات ومنظومات تكنولوجية متطورة (باتريوت، ثاد، ومقاتلات الجيل الحديث)، وبين صواريخ ومسيّرات يمنية تُنتج محلياً بكلفة زهيدة واستراتيجية إدارة نفس طويل، تشكلت مفارقة القرن الاستراتيجية: معركة لا يُقاس فيها النصر بحجم الإنفاق، بل بقدرة الإرادة على تحمّل الاستنزاف.

​أولاً: رياضيات الميدان المقلوبة.. الصاروخ بألف ضعف الهدف

​تشير التقارير الصادرة عن كبرى الوكالات والصحف الغربية والعبرية (مثل وول ستريت جورنال، بلومبرغ، وميدل إيست آي) إلى تحوّل جذري في طبيعة الاشتباك. فالسعودية، بمساحتها الواسعة الممتدة على أكثر من 2.1 مليون كيلومتر مربع وتوزّع منشآتها النفطية والحيوية، عجزت أنظمة الرادار والإنذار المبكر فيها عن توفير درع حماية مطلق، لسبب بنيوي بسيط: الخصم لا يحارب بمنطق السلاح التقليدي، بل بمنطق استنزاف الكلفة.

  • ​معادلة التصنيع المحلي: بينما تُصنع المسيّرات والصواريخ اليمنية محلياً بأبسط الإمكانات وأقل التكاليف، تستهلك الرياض صواريخ اعتراضية بمليونيرات الدولارات لكل عملية تصدي.
  • ​فجوة المخزون: أدت الهجمات المتكررة والمتزامنة إلى ضغط غير مسبوق على مخزون الصواريخ الاعتراضية، مما يضع القيادة العسكرية أمام قرارات سياسية واستراتيجية بالغة التعقيد حول ما ينبغي اعتراضه وما يتم غض الطرف عنه.

​هذا الاستنزاف العسكري المزدوج (مادي ومعنوي) أثبت أن كثرة السلاح ووفرة المال لا تصنعان حماية أبدية حين يغيب التكافؤ الاستراتيجي في الإدارة والصمود.

​ثانياً: الاقتصاد في مرمى النيران.. «رؤية 2030» تهتز

​لم يعد أثر العمليات اليمنية مقتصراً على الجبهات العسكرية، بل تغلغل إلى صميم المشروع الاقتصادي السعودي والمتمثل في «رؤية 2030» ومحاولات التنويع بعيداً عن النفط:

  1. ​الشلل اللوجستي والسياحي: توقف الرحلات، وارتفاع أسعار استئجار الطائرات الخاصة بأكثر من 50%، وقفزات أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، جعلت عاصمة المملكة تُدار بإيقاع مشلول ومتردد.
  2. ​ضربة «دافوس الصحراء»: اضطرار الرياض إلى تأجيل «مبادرة مستقبل الاستثمار» وعدد من الفعاليات الكبرى (كأس الخليج، نهائيات الرياضات الإلكترونية، وبطولات الجولف) إثر المخاوف الأمنية التي نقلتها البنوك وشركات الأسهم العالمية لمحافظ صندوق الاستثمارات العامة ياسر الرميان، أسس لضربة قاصمة لصورة المملكة كوجهة استثمارية آمنة.
  3. ​التوقعات الانكماشية: تشير تقديرات اقتصادية دولية إلى توقعات بانكماش الاقتصاد السعودي بنسبة 3.3%، مما يعيد ربط الاقتصاد قسراً بالنفط ويضع الخطط المستقبلية في مهب الريح.

​ثالثاً: المأزق السياسي.. خيارات مرّة وحليف متردد

​تواجه القيادة السياسية السعودية، وعلى رأسها ولي العهد محمد بن سلمان، مأزقاً حقيقياً بعد تعثر رهاناتها الكبرى (الحسم العسكري، التنويع الاقتصادي، والاعتماد المطلق على الدعم الأمريكي والغربي).

  • ​حائط الخيارات السيئة: وكما تنقل صحيفة الإيكونوميست، لم يعد أمام الرياض سوى مفاضلة مرة بين: حرب استنزاف خاسرة، أو غارات جوية محكوم عليها بالفشل مسبقاً، أو تسوية سياسية تعزز النفوذ اليمني الإقليمي والبحري.
  • ​التنسيق السري مع الاحتلال: تكشف تقارير استخباراتية وعبرية (عبر واللا ويديعوت أحرونوت) عن لجوء الرياض إلى مسار أمني سري برعاية «سنتكوم» الأمريكية للتعاون الاستخباراتي وبناء بنك أهداف ومساعدات دفاعية (كالقبة الحديدية)، وهو مسار يثير حساسية بالغة ويهدد الشرعية الدينية والداخلية للمملكة نظراً لرفض الشارع السعودي لأي تقارب مع الكيان الصهيوني.
  • ​انكفاء الحلفاء: الدعم العسكري المحدود من واشنطن ولندن وباريس اقتصر على تدابير دفاعية، وسط إحجام تام عن خوض مغامرات برية أو تحمل التكلفة الكبرى للحرب، مما ترك الرياض وحدها في مواجهة عواقب الاستنزاف.

​الخلاصة: لا مخرج إلا برفع الحصار

​إن التطورات المتسارعة تثبت يوماً بعد يوم أن معادلة «الحصار بالحصار والمطار بالمطار» قد أفرزت قانوناً جديداً للصراع في المنطقة.

​فالسعودية، مهما بلغت من سطوة المال والتسليح، عجزت عن فرض شروطها، وباتت مدركة تماماً أن محاولة القفز على الحقائق الميدانية لن تزيد الطين إلا بلة. إن طريق الاستقرار الوحيد لا يمر عبر التحالفات السرية ولا عبر المظلات الدفاعية المهزومة، بل يبدأ من الاعتراف بالواقع، ووقف العدوان، ورفع الحصار الشامل عن الشعب اليمني، وجبر الضرر؛ فمن لا يقرأ هذه المعادلة اليوم بإرادته، سيضطر لقراءتها غداً على طاولة فرضتها حقائق الميدان لا رغبات القصور.