اليمن يضع الرياض أمام معادلة الرد بالمثل ويحذر من مرحلة بلا خطوط آمنة


في اللحظة التي ظنت فيها الرياض أن بإمكانها مواصلة القصف  والحصار والإجرام بحق المدنيين وإغلاق مطار صنعاء وعسكرة باب المندب وتحويله إلى ساحة اشتباك ومواجهة خدمة للمشروع الصهيوأمريكي، جاء التحذير اليمني ليقلب قواعد اللعبة: العدوان لن يبقى بلا ثمن، والحصار لن يظل طريقًا أحادي الاتجاه.

وزارة الخارجية والمغتربين اليمنية أعلنت أن مبدأ المعاملة بالمثل أصبح قاعدة المرحلة، محملة النظام السعودي مسؤولية الشهداء والجرحى ودمار البنية التحتية، ومحذرة من أن استمرار المغامرة العسكرية سيحوّل أضرار الحرب من مأساة يمنية إلى خسائر استراتيجية تطال الرياض ومصالحها، وفيما تضع صنعاء المجتمع الدولي أمام صمته، وتطالب شركات الطيران بمراجعة حساباتها، تبدو المنطقة أمام سؤال مصيري: هل تختار السعودية وقف العدوان ورفع الحصار، أم تدفع بالمواجهة إلى مستوى قد لا تستطيع التحكم بمساراته؟

يمانيون| محسن علي

من الاحتجاج إلى تحديد قواعد الرد

لم يأتِ بيان وزارة الخارجية  في صيغة إدانة دبلوماسية تقليدية، بل حمل موقفًا يربط بصورة مباشرة بين الفعل السعودي والرد اليمني المحتمل، فقد أكدت أن مبدأ المعاملة بالمثل سيكون المحدد لطبيعة الرد العسكري في المرحلة المقبلة، محملة النظام السعودي مسؤولية عشرات الشهداء ومئات الجرحى، وتدمير البنية التحتية، واستمرار الحصار واستهداف المنشآت الحيوية.

وتكشف هذه اللغة عن انتقال الخطاب من تسجيل الخسائر إلى إعادة تعريف كلفتها السياسية والعسكرية، فالأضرار التي لحقت باليمن، لم تعد ملفًا إنسانيًا منفصلًا عن الحسابات الميدانية، بل أصبحت أساسًا لمعادلة ردع تقول إن استمرار الهجمات سيقابله استهداف لمصالح ومنشآت مرتبطة بالطرف المعتدي، وبهذا المعنى، لا يحدد البيان شكل الرد أو توقيته، لكنه يوجه رسالة واضحة إلى الرياض: استمرار العدوان لن يبقي المبادرة بيد طرف واحد، ولن يسمح بتحويل اليمن إلى ساحة تتلقى الضربات دون أن تنتقل كلفة الحرب إلى الجهة التي تشنها.

 

مطار صنعاء.. عنوان الحصار المفتوح

احتل مطار صنعاء موقعًا مركزيًا في البيان، إذ أكدت الوزارة أن المطار تعرض لمئات الغارات التي دمرت بنيته التحتية، قبل أن يستكمل العدو الإسرائيلي المجرم استهدافه، وربطت بين هذا الاستهداف وبين الحصار المفروض على اليمن، معتبرة أن تعطيل المطار لا يمثل إجراءً عسكريًا محدودًا، بل يطال حركة المدنيين والمرضى والمسافرين والاحتياجات الإنسانية، وأشارت إلى أن النظام السعودي تجاهل، طوال 12 عامًا، المطالبات برفع الحصار ووقف استهداف المطار،وفي القراءة السياسية للبيان، يتحول المطار إلى رمز لأزمة أوسع: تقييد السيادة، والتحكم في حركة اليمنيين، وفرض قيود على بلد يُمنع من إدارة أحد أهم منافذه الجوية بصورة طبيعية.

ومن هنا، يطرح البيان رفع الحصار وإنهاء الأنشطة العدائية باعتبارهما الخيار الأقل كلفة على السعودية، فبدل أن تستمر الرياض في استنزاف قدراتها وتوسيع دائرة المخاطر، يمكنها ـ وفق الرسالة اليمنية ـ وقف التصعيد وفتح الطريق أمام معالجة سياسية وإنسانية للملف.

 

المعاملة بالمثل.. انتقال الردع إلى مستوى جديد

تكتسب قاعدة المعاملة بالمثل أهميتها من كونها تربط الرد بحجم الفعل، لا بمجرد وقوعه، فالبيان يقول إن الغارات والدمار والحصار ستنتج ردًا يتناسب معها، وإن استمرار استهداف المنشآت اليمنية سيجعل المنشآت والمصالح المرتبطة بالعدوان جزءًا من حسابات الرد، ولا يكتفي هذا المنطق بالتهديد العسكري، بل يعيد صياغة مفهوم الردع، فالقوة لا تقاس فقط بعدد الضربات أو حجم السلاح، وإنما بقدرة الطرف المتضرر على جعل استمرار الحرب مكلفًا للطرف المعتدي؛ ولذلك حذرت الوزارة من أن المغامرات العسكرية السعودية ستقود إلى أضرار استراتيجية، تتجاوز الخسائر الميدانية المباشرة إلى تأثيرات أمنية واقتصادية وسياسية.

وتحمل الرسالة في الوقت نفسه عرضًا ضمنيًا للتهدئة؛ إذ إن وقف العدوان ورفع الحصار، يظل الطريق الأقصر لتفادي توسع المواجهة، أما الإصرار على التصعيد، فيعني أن الرياض تختار بنفسها مستوى المخاطر الذي ستواجهه.

 

شركات الطيران أمام مسؤولية تتجاوز التشغيل

في السياق وجهت الوزارة نصيحة مباشرة إلى شركات الطيران المتجهة إلى المطارات السعودية، داعية إياها إلى التنسيق مع مركز العمليات الإنسانية اليمني، واعتبرت أن هذا التنسيق يمثل إخلاءً للمسؤولية الأخلاقية والقانونية للشركات، في ظل استمرار التوترات والتحذيرات المرتبطة بالتصعيد.

وتتضمن هذه الرسالة بُعدين متلازمين؛ الأول إنساني وقانوني، إذ تضع شركات الطيران أمام ضرورة تقييم المخاطر قبل تشغيل الرحلات، وعدم التعامل مع المطارات باعتبارها بعيدة عن آثار الحرب، والثاني سياسي، إذ تنقل صنعاء التحذير من دائرة الحكومات إلى شركات النقل والمؤسسات المدنية التي قد تتأثر مباشرة بأي تصعيد يستهدف المطارات أو المجال الجوي، وبذلك، يسعى البيان إلى توسيع دائرة المسؤولية: فالمسألة لا تتعلق فقط بمن يطلق النار، بل أيضًا بمن يواصل نشاطه في بيئة قد تصبح جزءًا من مسرح المواجهة، رغم التحذيرات المعلنة.

 

باب المندب.. صراع على الجغرافيا والسيادة

يفتح البيان ملف باب المندب باعتباره أحد أخطر محاور التصعيد، وترى الوزارة أن تحويل السعودية المنطقة إلى ساحة مواجهة عسكرية يكشف، حقيقة النوايا والدوافع وراء التحشيدات والتدخلات،

إذ لا يقدم البيان باب المندب كجبهة محلية معزولة، بل كممر ذي أهمية دولية تمس سلامته حركة الملاحة والتجارة، ولذلك تنتقد صمت المجتمع الدولي تجاه عسكرة المنطقة، معتبرة أن هذا الصمت يعكس ازدواجية في المعايير: حساسية دولية مرتفعة تجاه بعض أشكال التوتر، مقابل تجاهل التحشيدات التي تحول ممرًا استراتيجيًا إلى مسرح اشتباك.

فيما تحاول الرسالة اليمنية هنا إعادة ترتيب النقاش حول المسؤولية عن تهديد الملاحة، فبدل التركيز على نتائج العمليات فقط، تدعو إلى مساءلة الطرف الذي يحول المنطقة إلى ميدان حرب، لأن استمرار الاشتباك في محيط باب المندب، هو ما يضاعف مخاطر الملاحة ويهدد الأمن البحري.

 

قطر.. نقد التحول من الوساطة إلى الاصطفاف

ينتقد البيان الدور القطري، معتبرًا أن الأنشطة السياسية والإعلامية المعادية لليمن جعلت النظام القطري شريكًا في الدماء والمعاناة اليمنية، كما يشير إلى أن الدوحة انتقلت من دور الوساطة ومحاولة حل الصراعات إلى الاصطفاف مع النظام السعودي، ولا تنحصر أهمية هذا الاتهام في مضمونه المباشر، بل في الرسالة التي يوجهها إلى قطر: إن تبني خطاب سياسي وإعلامي داعم للتصعيد يفقدها موقع الوسيط، ويضعها ضمن الأطراف المشاركة في إدارة الأزمة لا حلها، ولهذا تدعو الوزارة الدوحة إلى مراجعة موقفها، والعودة إلى دور أكثر استقلالًا واتزانًا، بدل الانخراط في استهداف اليمن سياسيًا وإعلاميًا.

 

الأمم المتحدة.. الوساطة بين إدارة الأزمة ومساءلة المعتدي

إضافة إلى ذلك وجهت انتقادًا إلى الأمم المتحدة ومبعوثها إلى اليمن، متهمة إياهما بأنشطة وصفتها بالمشبوهة، وبالمساهمة في شرعنة الجرائم السعودية، ويكشف هذا الموقف عن اعتراض أعمق على طريقة إدارة الملف اليمني دوليًا؛ فصنعاء ترفض أن تتحول الوساطة إلى وسيلة لإدارة الصراع دون معالجة أسبابه، أو إلى إطار يمنح المعتدي وقتًا إضافيًا بينما يستمر القصف والحصار، كما ترفض المساواة بين الطرف الذي يتلقى الضربات والطرف الذي يفرضها، مطالبة بأن يتحول الدور الأممي من تسجيل المواقف إلى الضغط الفعلي لوقف العدوان ورفع القيود الإنسانية، وبذلك، يضع البيان المجتمع الدولي أمام اختبار عملي: هل يكتفي بالتعبير عن القلق، أم يتخذ موقفًا يلزم الأطراف بوقف التصعيد وحماية المرافق المدنية والممرات الإنسانية؟

 

رسائل متقاطعة.. الردع والتهدئة في آن واحد

رغم لهجة التحذير، لا يغلق البيان باب التهدئة، فعندما يؤكد أن رفع الحصار وإنهاء الأنشطة العدائية أقل كلفة على السعودية من مواصلة المغامرة، فإنه يقدم مخرجًا سياسيًا واضحًا، لكنه يربطه بخطوات عملية لا بتعهدات عامة؛ فالتهدئة، وفق مضمون البيان، تبدأ بوقف الغارات، ورفع الحصار، وإنهاء استهداف المطارات والممرات، والتراجع عن تحويل باب المندب إلى ساحة مواجهة، أما استمرار الحرب، فسيعني انتقال الصراع إلى مرحلة تتسع فيها دائرة المصالح المهددة، وتصبح فيها الرياض مسؤولة عن النتائج التي حذرت منها صنعاء.

هذه المعادلة تجمع بين مسارين متوازيين: إبقاء باب التفاوض مفتوحًا، ورفع كلفة تجاهله، وهي رسالة لا تخاطب السعودية وحدها، بل كل الأطراف التي توفر لها غطاءً سياسيًا أو إعلاميًا أو لوجستيًا.

 

ختاما

يضع بيان الخارجية اليمنية الرياض أمام خيارواضحًا: إما وقف العدوان ورفع الحصار وإنهاء عسكرة الممرات والمنشآت، وإما مواصلة مسار قد يحول التحذيرات إلى ردود عملية تحكمها قاعدة المعاملة بالمثل.

لكن السؤال الذي يتجاوز حدود البيان هو: إلى متى سيواصل المجتمع الدولي التعامل مع القصف والحصار وعسكرة باب المندب بوصفها وقائع عابرة، بدل مساءلة من يصنعها؟

أما أمام الرياض، فتظل الخلاصة التي يكررها البيان مباشرة: هل تختار كلفة التهدئة ورفع الحصار، أم تصر على مغامرة عسكرية قد تجعل صراخها فعلًا عنوان المرحلة القادمة؟

 

يمانيون.