طوفان الأقصى بعد ثلاثة أعوام.. غزة تقاوم ومحور الإسناد والجهاد يوسّع معادلة المواجهة
بعد ثلاثة أعوام على انطلاق معركة طوفان الأقصى ضد الكيان الصهيوني المجرم في السابع من أكتوبر 2023، لم تعد المنطقة إلى ما كانت عليه قبل ذلك اليوم، فما بدأ عمليةً نوعية داخل فلسطين تحول إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، امتدت من غزة إلى لبنان واليمن والعراق وإيران والبحر الأحمر، وأعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي بعدما سعى الاحتلال إلى تغييبها، وبينما لا تزال غزة تواجه آثار حرب مدمرة وأزمة إنسانية قاسية، تكشف جبهات الإسناد أن المعركة لم تعد محصورة في حدود القطاع، وأن تداعياتها أعادت رسم مسارات الصراع وموازين القوة في المنطقة.
تقرير | محسن علي
يوم أعاد تشكيل الصراع
بعد ثلاثة أعوام على انطلاق معركة طوفان الأقصى، لا تزال تداعيات السابع من أكتوبر 2023 حاضرة بقوة في فلسطين والمنطقة، فقد مثّل ذلك اليوم، وفق رؤية فصائل المقاومة الفلسطينية، تحولًا كبيرًا في مسار الصراع مع الكيان الصهيوني، بينما تعامل الاحتلال معه باعتباره تهديدًا أمنيًا وعسكريًا واسعًا، وأطلق حملة عسكرية مدمرة على قطاع غزة، لكن الحرب التي هدفت إلى إخماد المقاومة وتغيير المعادلة لم تبقَ داخل حدود القطاع، فمع اتساع العدوان، دخلت قوى ودول من محور المقاومة في مسارات مختلفة من الإسناد، لتتحول غزة إلى مركز مواجهة إقليمية متعددة الجبهات، ولتعود القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي بعد سنوات من محاولات تهميشها وتغييبها.
غزة.. الثمن الأكبر للحرب
دفعت غزة الثمن الأكبر طوال سنوات المواجهة. ووفق السلطات الصحية في القطاع، تجاوز عدد الشهداء الفلسطينيين 74 ألفًا، بالتزامن مع دمار واسع أصاب المنازل والمنشآت والبنية التحتية، ونزوح غالبية السكان، ورغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، استمرت التوترات والعمليات العسكرية، فيما بقيت الأوضاع الإنسانية شديدة القسوة، وتشير التقارير الأممية إلى استمرار القيود الإسرائيلية على دخول المساعدات والمعدات والمواد الأساسية، وهو ما انعكس على قطاعات المياه والصحة والغذاء، وأبقى أعدادًا كبيرة من الفلسطينيين في مواقع نزوح أو داخل مبانٍ متضررة وغير آمنة.
وفي أكتوبر 2026، حذرت الأمم المتحدة من أن استمرار الاحتلال في فرض القيود على إدخال الاحتياجات الأساسية يهدد بتقليص برامج الغذاء والمساعدات الإنسانية، في وقت تتفاقم فيه آثار الحصار على المدنيين، وعلى امتداد هذه السنوات، واجه الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية حربًا واسعة وحصارًا متواصلًا، وقدم، بحسب المادة، نموذجًا للصبر والتضحية، بينما كشفت العمليات العسكرية عن حجم العجز الميداني للاحتلال، الذي لجأ إلى استهداف المدنيين وارتكاب مجازر واسعة بدل تحقيق أهدافه المعلنة.
لبنان.. جبهة إسناد مفتوحة
بعد أيام من اندلاع المعركة، بدأ حزب الله في لبنان تنفيذ هجمات ضد مواقع وقوات إسرائيلية، معلنًا أن عملياته تأتي في إطار إسناد غزة والضغط على الاحتلال، ومنع تركيز كامل قوته العسكرية على القطاع،ومع استمرار المواجهة، تحولت الجبهة اللبنانية إلى أحد أبرز مسارات الإسناد، وأسهمت في إبقاء جزء من القدرات العسكرية الإسرائيلية موزعًا خارج غزة، كما كرست هذه الجبهة مفهوم تكامل الساحات، وربطت بين تطورات الميدان الفلسطيني وحسابات الردع على الحدود اللبنانية الذي كان جزءًا من معادلة أوسع، لا مواجهة منفصلة عن حرب غزة؛ فكلما اتسع العدوان على القطاع، بقيت الجبهة الشمالية للاحتلال حاضرة كمساحة ضغط واستنزاف، بما يعكس انتقال المعركة من نطاقها المحلي إلى مسار إقليمي متداخل.
اليمن.. البحر الأحمر يدخل المعادلة
اتخذ اليمن، بقيادة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي، موقفًا عسكريًا وسياسيًا داعمًا للفلسطينيين في غزة، وبعد أيام قليلة من انطلاق طوفان الأقصى، أعلن اليمن بدء عملياته العسكرية باتجاه أهداف مرتبطة بالاحتلال، حيث أُطلق أول صاروخ باتجاه الكيان في 19 أكتوبر 2023.
وفي نوفمبر من العام نفسه، انتقلت العمليات إلى البحر الأحمر، لتشمل استهداف سفن قالت صنعاء إنها مرتبطة بالاحتلال أو متجهة إلى موانئه، وبحكم الموقع الجغرافي لليمن قرب باب المندب والبحر الأحمر، اكتسبت الجبهة اليمنية موقعًا خاصًا في المعادلة الإقليمية، وأثرت العمليات البحرية، وفق المادة، على حركة الملاحة والاقتصاد الإسرائيلي، وفرضت ضغوطًا على الموانئ وخطوط الإمداد المرتبطة بالعدو المحتل، كما دفعت كيان العدو إلى شن هجمات وقصف جوي على عدد من المحافظات اليمنية، في محاولة لوقف العمليات أو الحد من تأثيرها، ولم يقتصر الدور اليمني على الجانب العسكري، بل حمل موقفًا سياسيًا واضحًا يعتبر أن دعم غزة جزء من معركة أوسع للدفاع عن القضية الفلسطينية ومواجهة الاحتلال، وهكذا تحوّل البحر الأحمر إلى جبهة إسناد قائمة بذاتها، وأصبح الموقع الجغرافي لليمن عنصرًا مؤثرًا في حركة الصراع.
العراق.. امتداد آخر للمواجهة
في العراق، نشطت المقاومة الإسلامية خلال مراحل مختلفة في استهداف القوات الأمريكية ومواقع مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي، معلنة أن عملياتها تأتي دعمًا لغزة وإسنادًا للشعب الفلسطيني، ومع اختلاف وتيرة هذه العمليات وحجمها عن الجبهتين اللبنانية واليمنية، فإنها مثلت امتدادًا آخر للمعركة خارج الأراضي الفلسطينية، كما أضافت بعدًا جديدًا إلى المواجهة، من خلال توسيع نطاق الضغط على القوات الأمريكية والمصالح المرتبطة بالاحتلال في المنطقة، وبذلك، اتخذ الإسناد العراقي موقعه ضمن شبكة جبهات مترابطة، تتقاطع في هدف دعم غزة ومنع الاحتلال وحلفائه من إدارة الحرب بعيدًا عن أي كلفة إقليمية.
إيران.. من المواجهة غير المباشرة إلى الاشتباك المباشر
خلال الأعوام الثلاثة، انتقلت المواجهة بين إيران والاحتلال الإسرائيلي إلى مراحل أكثر مباشرة، فبعد عقود اتسمت فيها العلاقة بين الطرفين بالمواجهة غير المباشرة، أسهمت تداعيات طوفان الأقصى في دفعهما إلى مواجهات مباشرة، وفق تحليلات إقليمية أوردتها المادة، ومع انتقال الصراع إلى هذه المرحلة، اتسع نطاق المواجهة، ولم تعد تداعيات الحرب محصورة في فلسطين أو الجبهات المحيطة بها، بل أصبحت مرتبطة بحسابات أوسع تشمل أمن المنطقة وتوازناتها، وطبيعة العلاقة بين الاحتلال والقوى المناهضة له.
وحدة الساحات وتكامل الجبهات
في قلب هذه التطورات، برز مفهوم وحدة الساحات بوصفه عنوانًا سياسيًا وعسكريًا لجبهات الإسناد، فمن لبنان إلى العراق واليمن، وصولًا إلى إيران، تداخلت المواقف والعمليات في مسار واحد يربط بين استمرار العدوان على غزة واتساع نطاق الرد خارجها، فيما قدم محور المقاومة، بمختلف مكوناته، قدم نموذجًا لتكامل الجبهات؛ إذ لم تعد فلسطين وحدها ساحة المواجهة، ولم يعد الاحتلال قادرًا على تحديد مكان الحرب أو التحكم بإيقاعها بصورة منفردة، وفي هذا السياق، برز الدور اليمني بوصفه الأكثر اتصالًا بالمجال البحري، بينما حافظت الجبهة اللبنانية على ضغطها الحدودي، واستمرت العمليات العراقية في استهداف الوجود الأمريكي والمواقع المرتبطة بالاحتلال، هذا التعدد في الجبهات فرض على العدو توزيع قدراته، ووسّع دائرة المخاطر المحيطة به، وأدخل الحسابات الاقتصادية والسياسية والنفسية في صلب المواجهة، إلى جانب البعد العسكري المباشر.
العدو أمام تداعيات متراكمة
بعد ثلاثة أعوام، تكشف مسارات الحرب أن كيان العدو المجرم لم ينجح في إنهاء المقاومة أو إغلاق ملف القضية الفلسطينية، فعلى المستوى الإنساني، خلّفت الحرب عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى ودمارًا واسعًا ونزوحًا جماعيًا، وعلى المستوى الإقليمي، فتحت المعركة جبهات متعددة، وأدخلت البحر الأحمر في حسابات الصراع، ودفعت المواجهة مع إيران إلى مستويات أكثر مباشرة.
أما على المستوى السياسي، فقد أعادت طوفان الأقصى فلسطين إلى صدارة الاهتمام الدولي، ووضعت ممارسات الاحتلال في مواجهة الرأي العام العالمي، رغم محاولات التغطية والتبرير، كما كشفت الحرب حجم التناقض بين الخطاب الدولي حول حقوق الإنسان والواقع الذي يعيشه المدنيون في غزة تحت الحصار والقصف.
ختاما
بعد ثلاثة أعوام على طوفان الأقصى، لم تُغلق غزة جرحها، ولم تُطفأ جبهات الإسناد، ولم تعد القضية الفلسطينية إلى الهامش. فقد تحولت المعركة من حدث فلسطيني إلى مسار إقليمي أعاد تعريف الصراع، وفتح جبهات جديدة، وربط بين غزة ولبنان واليمن والعراق وإيران والبحر الأحمر.
وبينما يواصل الفلسطينيون مواجهة الحصار والدمار، تؤكد جبهات الإسناد أن فلسطين لم تعد وحيدة، وأن الاحتلال بات يواجه معركة متعددة الساحات والاتجاهات، وفي حصيلة ثلاثة أعوام، تبدو الرسالة الأبرز أن دماء الشهداء وتضحيات المقاومين لم تنهِ المعركة، بل منحتها امتدادًا أوسع، ورسخت في وعي المنطقة أن طريق التحرير لا يُرسم بالهدن المؤقتة ولا بالتطبيع، بل بالصمود والمقاومة وتكامل الجبهات حتى استعادة الحقوق الفلسطينية.
يمانيون.