خيانةُ الوطن.. سقوطٌ لا يغتفر، والارتهانُ للخارج عارٌ لا تمحوه السنوات


حين يكون الوطن في مواجهة العدوان، يصبح الوفاء له ديناً في الضمير، وأمانةً في العنق، ومسؤوليةً لا تقبل المساومة، الوطن ليس أرضاً نصحو عليها كل صباح ثم نغادرها عند أول اختبار، وليس اسماً في بطاقة أو حدوداً مرسومة على خريطة؛ الوطن هو الأرض التي حملت الإنسان، والمجتمع الذي احتضنه، والتاريخ الذي صنع ذاكرته، والكرامة التي لا تستقيم الحياة من دونها،  ولهذا فإن الوفاء للوطن ليس ترفاً سياسياً ولا شعاراً للاستهلاك، بل قيمة أخلاقية كبرى، تتجلى حقيقتها عندما يتعرض الوطن للخطر، وعندما يصبح أبناؤه أمام امتحان لا يحتمل التردد ولا المساومة.

أعده للنشر | طارق الحمامي

 

عندما يُستهدف الوطن.. تسقط الأقنعة

منذ اندلاع العدوان على اليمن عام 2015، دخل البلد واحدة من أكثر مراحله الصعبة، مع عدوان التحالف الذي قادته مملكة الشر وقرن الشيطان، وفي مواجهة العدوان، يصبح السؤال الأخلاقي أكثر وضوحاً، أين يقف الإنسان عندما تُستهدف أرضه وشعبه وسيادته؟،  فالعدوان لا يطرق أبواب حزب بعينه أو جماعة بعينها، ولا يسأل المواطن عن انتمائه السياسي قبل أن تطاله آثاره؛ وعندما تسقط القذائف، لا تفرّق بين مؤيد ومعارض، وقبلي ومدني، وشمالي وجنوبي، ومن هنا فإن الوطن في لحظة الخطر لا يحتمل أن تتحول مصلحته إلى ورقة تفاوض، أو أن يصبح وجع أبنائه سلعة في سوق السياسة، أو أن تُستبدل رابطة الانتماء بعلاقة تبعية مع الخارج.

الخيانة تبدأ من لحظة بيع الضمير

الخيانة ليست فقط فعلاً عسكرياً مباشراً؛ قد تبدأ من لحظة يسكت فيها الضمير، أو يُباع فيها الموقف، أو يصبح المال أقوى من الانتماء، أو يتحول الإنسان إلى أداة في مشروع يستهدف بلده، وأشد صور الارتهان خطراً أن يضع المرء مصلحته الشخصية فوق مصلحة وطنه، وأن يرى في القوة الأجنبية سنداً يستقوي به على أبناء وطنه، فالمال ينتهي، والمناصب تزول، والحسابات السياسية تتبدل، أما أثر الخيانة فيبقى وصمة في الذاكرة الوطنية، من باع موقفه للوطن مرة، يمكن أن يبيع غداً أرضه وقراره وكرامته إذا تغير الثمن.

الدين يضع الأمانة فوق المصلحة

جاء الإسلام بتعظيم الأمانة والنهي عن الغدر والخيانة، وربط صلاح الإنسان بصدق عهده ووفائه بما اؤتمن عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾، وقال سبحانه:  ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾.،  والأمانة الوطنية، وإن كانت مفهوماً حديثاً في بناء الدولة، تتصل بجوهر هذه القيم،  الصدق، والوفاء، وتحمل المسؤولية، وعدم الغدر بالمجتمع الذي ينتمي إليه الإنسان، ولهذا فإن الوقوف مع الوطن في لحظات المحنة ليس مجرد موقف سياسي؛ إنه امتحان للضمير والأخلاق.

أخطر ما في الارتهان.. أن يتحول العدو إلى صاحب فضل

حين يصبح العدو الخارجي ممولاً، ثم يصبح ممولاً صاحب قرار، ثم يتحول صاحب القرار إلى مرجعية، تبدأ أخطر مراحل سقوط الاستقلال الوطني، فالأوطان لا تُحتل دائماً بالدبابات، أحياناً يبدأ الاحتلال من الفكرة؛ حين يقتنع الإنسان أن خلاص بلاده لا يمكن أن يأتي إلا عبر الخارج، وأن كرامته يمكن أن تُشترى بالمال، وأن عدو وطنه يمكن أن يصبح حليفاً له لمجرد أنه يوفر له الحماية أو النفوذ، وهنا لا تعود القضية قضية راتب أو منصب أو مكسب شخصي؛ بل قضية استلاب للإرادة الوطنية.

الإعلام .. أمانة لا تقل عن أمانة الميدان

الكلمة في زمن الحرب قد ترفع معنويات شعب، وقد تهدمها، ولهذا فإن الإعلامي الذي يتصدر المشهد أمام الناس يحمل مسؤولية أخلاقية مضاعفة،  فالتضليل، وتجميل العدوان، وتبرير استهداف الوطن، وصناعة صورة زائفة للواقع، كلها ممارسات يمكن أن تتحول إلى أدوات في خدمة العدوان ، ومن هنا فإن القلم الوطني ليس أقل مسؤولية من المقاتل في الميدان؛ لأن كليهما يواجهان امتحاناً واحداً، هل يكون الوطن أولاً أم تكون المصلحة الشخصية أولاً؟

لا مكان للبيع في قاموس الكرامة

الوطن الذي بذل أبناؤه دماءهم دفاعاً عنه لا يجوز أن يتحول إلى ورقة في يد من يبحث عن المال أو السلطة، والسيادة التي سُقيت بالدماء لا ينبغي أن تكون قابلة للمقايضة،  والكرامة التي حفظتها تضحيات الأجيال لا يجوز أن تُقاس بحجم الراتب أو المنصب أو الامتياز، إن أشد ما تحتاجه الأوطان في زمن العدوان ليس كثرة الشعارات، وإنما ثبات الرجال، وصدق المواقف، ونقاء الضمائر، وتقديم المصلحة الوطنية على كل مصلحة أخرى.

ختاما ..

حين يكون الوطن مستهدفاً، يصبح الوفاء له معياراً حقيقياً للرجولة والشرف والمسؤولية، ومن يثبت عليه في زمن المحنة، يحفظ اسمه في ذاكرة وطنه،  ومن يرهن موقفه  للعدو الخارجي، ويقدم مصلحته على مصلحة بلده، ويشارك بصورة متعمدة في الإضرار بوطنه، فإنه لا يخسر موقفاً سياسياً فحسب؛ بل يخسر شيئاً أعمق، احترامه لذاته ومكانته في ضمير وطنه، قد تتغير الظروف، وتتبدل التحالفات، وتسقط الحسابات السياسية، لكن الوطن يبقى، ولهذا فإن الرسالة الأوضح التي ينبغي أن تُقال في زمن العدوان هي، لا تجعلوا من الوطن ثمناً لمصلحة، ولا من الكرامة سلعة، ولا من الولاء ورقة تفاوض، فخيانة الوطن سقوطٌ لا يغتفر، والارتهان للخارج عارٌ لا تمحوه السنوات.