“ابتزاز سياسي” وفخ استراتيجي.. كيف يواجه ترامب “القنبلة الاقتصادية” الإيرانية في مضيق هرمز؟

"ابتزاز سياسي" وفخ استراتيجي.. كيف يواجه ترامب "القنبلة الاقتصادية" الإيرانية في مضيق هرمز؟


الجوف نت | خاص

تواجه السياسة الخارجية الأمريكية المأزومة في عهد الرئيس دونالد ترامب تحدياً استراتيجياً غير مسبوق في إدارة ملف العلاقة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فبين تهويل إعلامي وتراجع ميداني، تسعى واشنطن جاهدة للالتفاف على التزاماتها الدولية عبر ممارسة سياسة “الابتزاز السياسي”، ومحاولة فرض تعديلات أحادية على بنود رئيسية صِيغت في وقت سابق من موقع القوة الإيرانية.

​في هذا السياق، يفكك خبير الشؤون الاستراتيجية، الدكتور محمد هزيمة، أبعاد هذه المناورة الأمريكية، مؤكداً أن الإدارة الحالية تعيش مأزقاً حقيقياً بعد نجاح المفاوض الإيراني في تحييد الملف النووي وفرض شروطه ميدانياً وسياسياً.

​تفجير معركة هرمز.. محاولات الالتفاف على “مذكرة إسلام آباد”

​تتركز المساعي الأمريكية الحالية بشكل علني على محاولة تعديل بندين جوهريين في “مذكرة تفاهم إسلام آباد”:

  1. بند مضيق هرمز: والذي ينظم حركة الملاحة والمعادلات الجيوسياسية في الممر المائي الأهم عالمياً.
  2. بند الأموال الإيرانية المجمدة: والذي نجحت طهران في انتزاع شروط متقدمة بشأن تحريره.

​ورداً على ما روّجت له صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية بشأن وجود “بند غامض” فجّر المواجهة في مضيق هرمز، ينفي الدكتور هزيمة وجود أي غموض. ويؤكد أن البنود واضحة تماماً، وأن الجانب الأمريكي لم يوقع على الاتفاق إلا بعد دراسة وتأكد كاملين، لكنه صُدم بالنتائج الاستراتيجية التي فرضتها الحرب، والتي جعلت معظم البنود تصب في مصلحة إيران.

​السلوك الترامبي: ضجيج إعلامي يهرب من الفاتورة المكلفة

​يتسم الموقف الأمريكي تجاه الاتفاق بالتناقض المستمر؛ تارة بالإعلان عن انتهاء الاتفاق، وتارة أخرى بالدعوة إلى العودة لطاولة المفاوضات. ويرى خبراء أن هذا السلوك يعكس رغبة واشنطن في “تحسين شروطها” لا إنهاء الاتفاق كلياً، إلى جانب توظيف هذا الضجيج كدعاية موجهة للناخب الأمريكي مع اقتراب الانتخابات النصفية التي تفصل الإدارة عنها أشهر معدودة، والتي قد تحمل خسارة مدوية للمكانة الدولية للولايات المتحدة.

“إن الخسارة الاستراتيجية التي حاول ترامب تغطيتها بالانتصارات الوهمية وبطريقة المهرج، تحولت اليوم إلى فاتورة كبرى ومكلفة للسياسة الأمريكية.”

— د. محمد هزيمة، خبير الشؤون الاستراتيجية.

 

​في المقابل، تتصرف طهران كدولة تتقن إدارة الجبهات وتحقيق الأهداف من موقع القوة، مما جعل حالة التوتر الأمريكية عبئاً مباشراً على الداخل؛ إذ تؤكد استطلاعات الرأي الأمريكية أن 86% من المواطنين يرفضون الحرب ويعتبرونها عبئاً مالياً وعسكرياً عليهم.

​”مثلث برمودا” واقتصاد العالم.. السلاح الإيراني الخفي

​لم يعد وصف مضيق هرمز بـ “القنبلة النووية الاقتصادية” مجرد تعبير بلاغي، بل بات حقيقة تعترف بها الصحف الاقتصادية الأمريكية نفسها. لقد تحولت إيران عبر هذا المضيق الحيوى إلى قوة تفرض معادلة جديدة على الاقتصاد العالمي، واصفةً إياه بـ “مثلث برمودا اقتصادي” تتهاوى أمامه محاولات التهرب الأمريكية من الالتزامات.

​التراجع الكوني للنفوذ الأمريكي.. السحر ينقلب على الساحر

​تأتي هذه المواجهة في سياق أوسع يرتبط بالتراجع الكوني للهيمنة الأمريكية:

  • فقدان السيطرة على المضائق: خرجت المضائق والممرات المائية الآسيوية الحيوية من يد واشنطن، وهي نتيجة تُسرّع بها السياسات الحمقاء لإدارة ترامب.
  • الصعود الصيني: تواجه واشنطن معضلة تقاسم النفوذ العالمي مع بكين، وهي المفارقة التاريخية التي فتحت لها أمريكا الباب عام 2000 لينقلب السحر على الساحر اليوم.

​خلاصة استراتيجية: اصطدام بالقوة الحقيقية

​تاريخياً، اعتادت الولايات المتحدة صياغة معادلات التجارة الدولية عبر الدولار والتربع على عرش القرار العالمي دون دفع أثمان باهظة (حيث لم يتجاوز قتلاها في الحرب العالمية الثانية 450 ألفاً مقارنة بملايين القتلى من روسيا والصين وأوروبا المدمّرة). كما اعتادت إنهاء حروبها بـ “استعراضات فلكلورية ودعائية لمصانع السلاح”.

​لكن المشهد اليوم مختلف كلياً؛ فهذه هي المرة الأولى التي تصطدم فيها واشنطن بإيران كدولة حقيقية تمتلك مقومات راسخة. وبتعديل طهران لأدوات المواجهة ورفع كلفة الحرب على كاهل الاقتصاد الأمريكي، يظهر التردد الواضح على الإدارة الأمريكية، في مؤشر قد يسجل بداية تحول تاريخي يفضي إلى خروج الولايات المتحدة تدريجياً من صدارة المسرح الدولي.