زلزال سياسي في واشنطن.. كيف يعمّق الدعم غير المشروط للاحتلال الانقسام الداخلي الأمريكي؟
زلزال سياسي في واشنطن.. كيف يعمّق الدعم غير المشروط للاحتلال الانقسام الداخلي الأمريكي؟
الجوف نت | خاص
تشهد الأوساط السياسية والدبلوماسية في الولايات المتحدة الأمريكية حالة غير مسبوقة من التصدع والجدل المتصاعد حول جدوى ومستقبل الدعم العسكري المطلق لكيان الاحتلال الإسرائيلي. هذا الانقسام، الذي بدأ يتجاوز أروقة المؤسسات الرسمية ليصل إلى الشارع الأمريكي، يفرض على دوائر صنع القرار في واشنطن إعادة حساباتها، وسط محاولات حكومية للالتفاف على الضغوط عبر صياغة مفهوم جديد للعلاقة تحت مسمى “الشراكة الاستراتيجية”.
فاتورة ثقيلة.. أرقام وحزم الدعم الأمريكي للاحتلال
تكشف التقارير البحثية الصادرة عن مؤسسات أمريكية مرموقة، وفي مقدمتها “مشروع تكاليف الحرب” بجامعة براون، عن حجم إنفاق هائل تتحمله الخزينة الأمريكية لتمويل العدوان على قطاع غزة. فقد تجاوز إجمالي المساعدات العسكرية والتمويلات المباشرة حاجز 21.7 مليار دولار خلال فترة طوفان الأقصى، وهو ما يتدفق عبر قنوات متعددة تشمل اتفاقية الدعم الاستراتيجي الثابتة بقيمة 3.8 مليارات دولار سنوياً، إلى جانب صفقات تسليح استثنائية تجاوزت 13.4 مليار دولار خصصت لشراء قنابل موجهة وقذائف مدفعية وصواريخ ليزرية متطورة.
ولم يتوقف هذا الضخ العسكري طوال فترة العدوان؛ إذ مررت الإدارة الأمريكية حزماً عسكرية واسعة، أبرزها صفقة بقيمة 6.75 مليارات دولار تضمنت قنابل صغيرة القطر من طراز (GBU-39)، وقنابل (MK-82)، وأطقم توجيه دقيقة (JDAM). وتبع ذلك صفقة أخرى بقيمة 2.04 مليار دولار شملت قنابل ثقيلة ورؤوس اختراق من نوع (MK-84) و(BLU-117)، فضلاً عن إمدادات عاجلة أُقرت لتزويد الاحتلال بذخائر مدفعية عيار 155 ملم بقيمة 147.5 مليون دولار، مما يثبت استمرار تدفق السلاح عبر برنامج المبيعات العسكرية الخارجية بشكل مباشر ومكثف.
انتفاضة تشريعية داخل الكونغرس: أمريكا متواطئة
لم يعد الدعم المفتوح لإسرائيل يمر بسلاسة داخل المشرّعين الأمريكيين، حيث تقود القيادات التقدمية والديمقراطية حراكاً قوياً لمراجعة هذه السياسة:
- بيرني ساندرز: يتصدر التحركات التشريعية في مجلس الشيوخ لحظر تزويد الاحتلال بالقنابل الموجهة، مؤكداً أن واشنطن باتت متواطئة مباشرة في كارثة إنسانية، ويرفض توظيف أموال دافعي الضرائب في تمويل حروب تنتهك القانون الدولي.
- رو خانا: يطالب بمراجعة شاملة للعلاقات العسكرية وإلغاء القوانين التي تدمج الجيش الأمريكي مع جيش الاحتلال، معتبراً أن الدعم غير المشروط يستنزف موارد الولايات المتحدة ويضر بأمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية.
- خواكين كاسترو: يرفض إقرار أي شحنات أسلحة جديدة ويتمسك بأولوية فرض وقف دائم لإطلاق النار، طاعناً في مصداقية آليات الرقابة الحكومية التي تتجاهل عمداً مدى التزام الاحتلال بالقانون الدولي الإنساني.
- رام إيمانويل: يطالب بإنهاء سياسة “الشيك المفتوح” التي تدفع بالاحتلال نحو عزلة دولية خانقة، داعياً إلى تجميد الدعم المالي والعسكري السنوي واستخدامه كورقة ضغط سياسي.
نزيف الاستقالات.. احتجاجات صامتة تهز أروقة الإدارة الأمريكية
أدى الانحياز الأمريكي الأعمى إلى موجة استقالات غير مسبوقة لمسؤولين ودبلوماسيين رفضوا أن يكونوا شهود زور على الكارثة الإنسانية في غزة، ومن أبرزهم:
- جوش بول: استقال من منصبه كمدير لمكتب الشؤون السياسية والعسكرية بوزارة الخارجية، واصفاً الدعم الأمريكي بأنه “أعمى ومدمر” ويمثل فشلاً أخلاقياً واستراتيجياً يضر بالمصالح الأمريكية.
- ستاسي جيلبرت: غادرت منصبها في مكتب السكان واللاجئين والهجرة، متهمة الإدارة بتعديل التقارير الإنسانية سياسياً والتغطية على أدلة عرقلة الاحتلال للمساعدات.
- هالة غريط: المتحدثة الإقليمية باللغة العربية باسم الخارجية الأمريكية، والتي أكدت أن السياسة الحالية تقوض مصداقية واشنطن في المنطقة وتتعارض تماماً مع مبادئ حقوق الإنسان.
- أنيلي شلاين: غادرت مكتب الديمقراطية وحقوق الإنسان رفضاً لمنح الاحتلال غطاءً سياسياً لمجازره، واتهمت الإدارة بـ”التعامي السياسي” عن القوانين التي تحظر تسليح الجهات المنتهكة لحقوق الإنسان.
- طارق هباش: مساعد وزير التعليم، الذي أكد أن التغاضي عن الكارثة الإنسانية يمثل تواطؤاً مباشراً لا يمكن تبريره.
وفي المقابل، تحاول إدارة البيت الأبيض احتواء هذا الغليان الداخلي عبر ادعاء أن تعدد الآراء يعكس “حيوية الديمقراطية”، مع تمسكها الشديد باعتبار أمن الاحتلال أولوية قصوى وثابتة في توجهات السياسة الخارجية.
تحليلات: “الشراكة الاستراتيجية” خدعة للالتفاف على الرأي العام
ويرى مراقبون ومحللون سياسيون أن التوجه الأمريكي نحو تحويل المساعدات العسكرية المباشرة إلى إطار “الشراكة الاستراتيجية” ليس سوى محاولة لإعادة تسويق الدعم القديم وحمايته من الرقابة والرفض الشعبي المتصاعد.
وفي هذا السياق، يشير الكاتب والباحث السياسي حمزة البشتاوي إلى أن هذه الصيغة تتناقض بوضوح مع شعار “أمريكا أولاً” الذي يرفعه التيار المحافظ، مؤكداً أن الفشل العسكري للاحتلال في غزة، وصور الجرائم التي تنقلها وسائل التواصل الاجتماعي، أحدثت تحولاً عميقاً في المزاج الشعبي الأمريكي وأفقدت الكيان صورته التقليدية داخل الولايات المتحدة.
من جانبه، يؤكد الخبير في شؤون العدو عادل شديد أن انتقاد إسرائيل لم يعد من المحظورات في أمريكا كما كان في السابق. وأوضح أن الانقسام امتد لينال من الجالية اليهودية الأمريكية نفسها، مع ظهور مؤسسات يهودية جديدة تناهض جماعات الضغط الصهيونية التقليدية، مؤكداً أن محاولات الالتفاف على الرأي العام عبر تغيير مسميات الدعم ستصطدم بتنامي الوعي الشعبي، ما يضع العلاقات الأمريكية الإسرائيلية أمام منعطف تاريخي غير مسبوق.