اتفاق الإطار اللبناني – الإسرائيلي: قراءة في أبعاد المسار الدبلوماسي الجديد وموقف المقاومة

الجوف نت | خاص 

في ظل المنعطفات السياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يبرز “اتفاق الإطار اللبناني – الإسرائيلي” كعنوان لتقرير تحليلي يستعرض طبيعة التحولات الجارية في الملف اللبناني. فبعد أشهر من المواجهات العسكرية والدمار، انتقل الصراع الإقليمي والدولي إلى أروقة الدبلوماسية والسياسة، حيث تسعى الأطراف المختلفة لترسيخ وقائع جديدة تخدم رؤيتها الاستراتيجية لمستقبل البلاد.

​فرصة “مسار إسلام آباد” والتحول نحو المفاوضات المباشرة

​تشير المعطيات التحليلية إلى وجود تباين جوهري بين مسارين دبلوماسيين ظهرا في يونيو 2026:

    • مذكرة التفاهم الإيرانية – الأمريكية: والتي أُبرمت في باكستان (إسلام آباد)، ونصّت في بندها الأول على وقف الحرب على لبنان ووضع جدول زمني صارم لانسحاب إسرائيلي كامل خلال 60 يوماً دون شروط مسبقة تتعلق بسلاح المقاومة.
    • الانعطاف نحو الاتفاق الثلاثي: حيث اختارت سلطة القرار اللبناني، ممثلة بالعماد جوزف عون ونواف سلام، عدم توظيف مسار إسلام آباد كشرط تفاوضي قوي، والتوجه بدلاً من ذلك نحو مفاوضات مباشرة صاغ هندستها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو.

ملاحظة تحليلية: ترى قوى المقاومة أن هذا الانعطاف فوّت على لبنان فرصة انتزاع انسحاب غير مشروط، وفتح الباب أمام ترتيبات تمنح الجانب الإسرائيلي مكاسب سياسية عجز عن تحقيقها في الميدان العسكري.

 

​بنود الاتفاق: سيادة مشروطة وآليات رقابة مشتركة

​يتضمن “اتفاق الإطار الثلاثي” الذي نشرته وزارة الخارجية الأمريكية مجموعة من البنود التي تثير جدلاً واسعاً حول مفهوم السيادة الوطنية:

      • ربط الانسحاب بنزع السلاح: ترهن بنود الاتفاق أي انسحاب إسرائيلي بالتحقق الفعلي من تفكيك البنية التحتية للمقاومة ونزع سلاحها.
      • المناطق التجريبية والرقابة المشتركة: إنشاء مناطق يتولى فيها الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية تدريجياً، على أن يخضع ذلك لإشراف “فريق تنسيق عسكري مشترك” بمشاركة أمريكية وإسرائيلية.

​وقد انعكس هذا المضمون في تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي اعتبر الاتفاق “إنجازاً كبيراً”، مؤكداً بقاء قواته في المنطقة الأمنية طالما لم يتم نزع سلاح حزب الله، مع الاحتفاظ بحرية العمل العسكري داخل الشريط الأمني.

​الهواجس الأمنية ومخاطر الصدام الداخلي

​تحذر الأوساط المقربة من المقاومة من أن هذا الاتفاق يحمل في طياته أبعاداً تتجاوز الإجراءات الأمنية المؤقتة لتطال الهوية الاستراتيجية للبنان:

      1. تحويل الأرض لورقة ابتزاز: إن جعل الانسحاب الإسرائيلي معلقاً بشرط نزع السلاح يمنح الاحتلال سلطة تقديرية لتمديد وجوده لسنوات طويلة تحت ذرائع أمنية.
      2. خطر الانقسام الداخلي: تتخوف المقاومة من أن تؤدي آليات الرقابة المشتركة إلى وضع الجيش اللبناني في مواجهة مباشرة مع بيئة المقاومة، مما يهدد معادلة “الجيش والشعب والمقاومة” الاستقرار الأهلي.
      3. إعادة صياغة التوازنات السياسية: يُنظر إلى الاتفاق كجزء من مشروع أوسع يهدف إلى إضعاف القدرة الردعية للبنان وإعادة هندسة موازين القوى الداخلية لتكريس تبعية القرار السياسي للخارج.

​جبهة الرفض: مستندات دستورية ومواقف سياسية

​واجه الاتفاق معارضة سياسية ودستورية قوية من قِبل قيادات المقاومة:

      • موقف الشيخ نعيم قاسم: وصف الأمين العام لحزب الله الاتفاق بأنه “منعدم الوجود”، معتبراً أن ربط الانسحاب بنزع السلاح يتجاوز الخطوط الحمراء ويشرعن بقاء الاحتلال، مستنكراً عدم الاستفادة من السقف السيادي العالي الذي وفرته مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية.
      • موقف النائب محمد رعد: اعتبر رئيس كتلة الوفاء للمقاومة أن النص يقلب الحقائق ويمثل خضوعاً لمنطق الوصاية الأمريكية، ويهدف بشكل أساسي إلى تغطية بقاء الاحتلال وتوفير مخرج لواشنطن للتنصل من التزاماتها الإقليمية.

المستند الدستوري للرفض:

تستند القوى الرافضة للاتفاق إلى المادة 52 من الدستور اللبناني، والتي تحظر إبرام اتفاقات تمس بالسيادة الوطنية أو تلغي حالة العداء مع الكيان الإسرائيلي دون وجود وفاق وطني جامع. وترى هذه القوى أن توقيع الاتفاق في واشنطن يمثل تجاوزاً للأصول الميثاقية والدستورية في البلاد.