في تاريخ الأمم والشعوب محطاتٌ مفصليةٌ تمتد لتصنع مستقبل أجيالها وتحدّد مسار هُويتها، ولا تقفُ عند حدود الزمان الذي وُلِدَت فيه.

ومن تلك المحطات العظمى في تاريخ الأُمَّــة الإسلامية يتجلى “يوم الغدير” أَو “يوم الولاية”، كحدثٍ تجاوز المفهوم التاريخي العابر، ليمثل إعلانا إلهيًّا حاسمًا يرسم معالم القيادة والهداية، ويضع الضمانات الأَسَاسية لحفظ الأُمَّــة من التمزق والضياع.

يوم الثامن عشر من ذي الحجّـة في العام العاشر للهجرة أكثر من مُجَـرّد حادثة عادية في طريق العودة من حجّـة الوداع؛ فقد كان التتويج الإلهي لرحلة الرسالة المحمدية.

ففي ذلك الحشد الجماهيري الأكبر، جاء التوجيه الرباني الحازم لرسول الله صلوات الله عليه وعلى آله: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إليك مِنْ رَبِّكَ»، ليأتي الإعلان النبوي مدويًا ومشخِّصًا: «مَن كُنتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ».

​إن هذا الموقف الرسالي المشهود، والظروف الحازمة التي حاطت به، والدعاء النبوي الذي رافقه: «اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله»، كُـلّ ذلك يؤكّـد -وفق القراءة الفكرية المعاصرة لـ “السيد القائد”- أن القضيةَ أكثر من مُجَـرّد تعبير عن محبة شخصية أَو مكانة معنوية للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، لقد كانت تأسيسًا لموقع عملي وقيادي يضمن امتداد خط الهداية الإلهية، ويحمي الأُمَّــة من الفراغ القيادي بعد رحيل نبيها.

وتتجاوز الرؤية الثقافية والسياسية ليوم الولاية حدود السرد التاريخي، لتقدم هذا المبدأ؛ باعتبَاره ضرورة واقعية لحماية الأُمَّــة في عصرنا الراهن، ففي السنن الإلهية والقرآنية، لا توجد منطقة فراغ بين “ولاية الله” و”ولاية الطاغوت”.

الأمة التي تفقد ارتباطها بخط الولاية الإلهية وأعلام الهدى، تقع تلقائيًّا تحت هيمنة القوى المستكبِرة والمنحرِفة.

​ يكتسب يوم الولاية بُعدًا حيويًّا في واقعنا المعاصر، فالأمة الإسلامية اليوم تواجه هجمة شرسة ومحاولات مُستمرّة من قوى الاستكبار العالمي لفرض وصاية سياسية، وثقافية، وعسكرية، واقتصادية تسعى لمسخ الهُوية الإسلامية واستعباد الشعوب.

وفي ظل هذا التحدي، يبرز تمسك الأُمَّــة بمبدأ الولاية كأدَاة تحرّرية، وسلاح قاطع يحقّق الاستقلال الحقيقي ويرفض التبعية والارتهان، خُصُوصًا وأن القراءة العميقة لحدث الغدير تكشف عن البعد الحضاري والسياسي للإسلام.

فهو مشروع بناء أُمَّـة، وصناعة حضارة، وإقامة عدل، وهذا المشروع الحيوي يحتاج -بالضرورة- إلى قيادة ربانية واعية، تحمل نفس الروحية والمسؤولية لتقود الأُمَّــة في مواجهة التحديات والانحرافات.

​لقد قدمت الرؤية القرآنية “الولاء” كعامل توحيد، فالولاية هي الضمانة لوحدة الأُمَّــة، ومرجعيتها في مواجهة الطغيان، وأَسَاس استقلالها الثقافي والفكري.

إن الصراع القائم في العالم اليوم هو صراع بين مشروعَينِ: مشروع الولاية الإلهية التي تكرم الإنسان وتحفظ حريته وكرامته، ومشروع الهيمنة الطاغوتية التي تسعى لإذلال الشعوب ونهب ثرواتها.

وبناءً على ذلك، فإن إحياءَ يوم الولاية هو تجديد للعهد والموقف، واستلهام للدروس والمبادئ العملية التي تحتاجها الأُمَّــة لمواجهة طواغيت العصر.

إنه محطة سنوية لإعادة تقييم مسار الأُمَّــة، والتمسك بمصادر قوتها وعزتها، والالتفاف حول القيادة التي تسير بها في خط الإيمان والاستقلال، حتى يتحقّق للأُمَّـة النصر والتمكين، وتستعيد مكانتها الرائدة بين الأمم