القرآن يبني أُمَّـة قوية ويغلق الثغرات في مواجهة الأعداء
بقلم. عبدالله علي هاشم الذارحي
في المحاضرة الثانية من سلسلة دروس: “إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم”، قدّم السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي درسًا قرآنيًّا عميقًا في الوعي والبناء التربوي، كاشفًا عن واحدة من أخطر المشكلات التي تواجه الأُمَّــة، وهي أن يسمع الإنسان هدى الله دون أن يتفاعل معه بوعيٍ واستيعاب ومسؤولية.
فالإنسان – كما أوضح السيد القائد – قد يسمع الآيات، ويرى مصاديقها في الواقع، ويشاهد كيف تتحقّق التحذيرات الإلهية أمام عينيه، ثم لا ينتفع بذلك؛ لا في بناء وعيه، ولا في تزكية نفسه، ولا في ترسيخ الشعور بالمسؤولية، ولا حتى في تحصين موقفه العملي من التضليل والانحراف.
وهذه حالة خطيرة تجعل الأُمَّــة قابلة للاختراق النفسي والفكري والسياسي، وتفقدها المناعة اللازمة في مواجهة أعدائها.
إن المشكلةَ ليست في غياب الهدى، فالقرآنُ حاضر، والحق واضح، والتجارب الواقعية شاهدة، لكن الإشكالية حين يتحول التعامل مع هدى الله إلى حالة سطحية أَو مزاجية، يخضع فيها الإنسان التوجيهات الإلهية لمقاييسه القاصرة ورغباته الشخصية، فيقبل ما ينسجم مع هواه ويترك ما يخالف مزاجه، وهنا يفقد الإنسان أعظم عناصر النجاة والبصيرة.
ومن أهم ما ركَّزت عليه المحاضرةُ أن الصراعَ مع اليهود ليس صراعًا عاديًّا يمكنُ التعامُلُ معه بعقلية اللامبالاة أَو النظرة السطحية، إنما هو معركة وعي وهُوية ومصير.
لذلك فإنَّ من أهم الأُسُسِ التربوية التي تحتاجها الأُمَّــة أن تقدّرَ هدى الله حق قدره، وأن تتعامل معه؛ باعتبَاره هدايةً من العليم الحكيم الذي يعلم ما لا نعلم.
فالقرآن لا يقدِّمُ للأُمَّـة مُجَـرّد مواعظ روحية، إنه يبنيها لتكونَ أُمَّـة قوية، عزيزة، منيعة، متماسكة، متحرّرة من عوامل الضعف والهوان.
ولذلك أكّـد السيد القائد الحكيم أن
هدى الله يخلِّصُ الأُمَّــة من كُـلّ أسباب الضعف، ويهديها إلى كُـلّ عوامل القوة في مختلف المجالات.
وبالتالي فقد جاء درس سيد القول والفعل الثاني مركزًا على قول الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
فالآية الكريمة تكشفُ جانبًا مهمًّا من منهج المواجهة مع اليهود، وهو ضرورةُ إغلاق الثغرات التي يمكن أن يستغلَّها العدوّ، حتى في المفردات والتعابير والأساليب.
فاليهود كانوا يستغلون بعضَ الكلمات ذات الاحتمالات اللغوية للإساءة والسُّخرية والطعن، فجاء التوجيهُ الإلهي بإقفال هذا الباب تمامًا.
وهنا تتجلَّى قاعدةٌ مهمةٌ أشار إليها السيد القائد، وهي أن
الأعداء يبحثون دائمًا عن الثغرات داخل الأُمَّــة، وينفذون منها لإضعافها وضربها من الداخل.
فاستراتيجيتهم الأَسَاسية قائمة على تجريد الأُمَّــة من عناصر قوتها، وإفقادها المناعة الفكرية والنفسية والثقافية والسياسية، حتى تصبح أُمَّـة مهزوزةً سهلةَ السيطرة والسقوط.
ولهذا فإن الوعيَ القرآني لا يسمحُ بحالة الاستهتار أَو التهاون أَو فتح المجالات أمام الاختراقات المعادية، بل يربي الأُمَّــة على اليقظة والانتباه والمسؤولية العالية، وعلى بناء واقع قوي ومحصّن ومتماسك.
واليوم، ونحن نرى حجمَ الحرب الناعمة، والتضليل الإعلامي، ومحاولات الاختراق الثقافي والفكري، ندركُ مدى الحاجة إلى هذا النوع من الوعي القرآني الذي يربط الأُمَّــة بالله، ويجعلها أكثرَ وعيًا بخطط أعدائها وأكثر جدية في التحصن من مخاطرهم.
لقد أراد قائدُ الثورة من هذه المحاضرة أن يرسِّخَ في وجدان الأُمَّــة أن النجاةَ الحقيقيةَ ليست في الارتهان للعدو أَو تقليده أَو البحث عن الحُلول بعيدًا عن هدى الله، وإنما في العودة الصادقة إلى القرآن الكريم، والتفاعل العملي معه، والانطلاق منه لبناء أُمَّـة قوية، عزيزة، واعية، لا يمكنُ للأعداء اختراقَها أَو السيطرة عليها.
قال شهيد القرآن: “أيُّ أُمَّـة تمتلك القرآن الكريم وترى واقعها على النحو الذي نشاهده هي في الواقع أُمَّـة خسارتها عظيمة، خسارتها جسيمة جدًا”.
فحين تتمسك الأُمَّــة بهدى الله بجدية ووعي ومسؤولية، تتحول من أُمَّـة مستهدَفة إلى أُمَّـة قوية قادرة على مواجهة التحديات والانتصار في معركة الفتح الموعود والجهاد المقدَّس.