عنجهيّة تُدار بالوهم: حين يتحول هرمز إلى مرآة لفشل الأحمق ترامب
الجوف نت /مقالات
بقلم / هاشم الوادعي
ليست خطورة خطاب الأحمق ترامب في نبرته العالية فحسب، بل في الفراغ الذي تستره تلك النبرة، لأن الرجل حين يتحدث عن حصارٍ بحري لمضيق هرمز لا يقدّم تصورًا استراتيجيًا محكمًا بقدر ما يكشف عن عقلٍ يتعامل مع أعقد ملفات المنطقة بمنطق الصدمة والاندفاع، ويظن أن رفع سقف التهديد كافٍ لكسر الخصم، بينما الواقع يثبت في كل مرة أن هذه المقاربة لا تنتج حسمًا بقدر ما تُنتج تعقيدًا إضافيًا وتدفع الصراع إلى مستويات أكثر خطورة.
لقد بُنيت مقاربة ترامب تجاه إيران على فرضية تبدو في ظاهرها حاسمة، لكنها في جوهرها تبسيط مخلّ، وهي أن الضغط الأقصى سيُنتج خضوعًا سريعًا، غير أن ما جرى على الأرض سار في اتجاه معاكس تمامًا، إذ لم تُدفع إيران إلى الهامش كما كان يُراد، بل أعادت تموضعها داخل المعادلة، وتمكنت من نقل مركز الثقل من موقع الطرف الذي يُفترض أن يستجيب للضغط إلى موقع الطرف الذي يملك القدرة على فرض كلفة أعلى على خصمه، وبذلك تحوّل مسار المواجهة من محاولة إخضاع إلى إعادة تشكيل لقواعد الاشتباك نفسها.
وفي هذا السياق، يكشف التصعيد الأخير أن ترامب لم ينجح في تثبيت معادلة خضوع، بل انتهى عمليًا إلى ارتداد عكسي في ميزان المبادرة، لأن طهران لم تظهر كطرف منزوع الأوراق بعد جولات الضغط العسكري والسياسي المكثف، بل كطرف ما زال يحتفظ بأهم أوراق التأثير في هذا الملف، والمتمثلة في مضيق هرمز، الذي لا يُعد مجرد ممر مائي عادي، بل شريانًا حيويًا يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية، بحيث إن أي اضطراب فيه كفيل بإرباك أسواق النفط والتأمين والشحن، ونقل تداعيات المواجهة من نطاقها الإقليمي إلى نطاق الاقتصاد الدولي بأكمله، وهو ما يمنح إيران موقعًا تفاوضيًا يتجاوز حدود الجغرافيا إلى التأثير في توازنات السوق العالمية.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، يمكن قراءة التهديد الأمريكي بفرض حصار بحري على المضيق لا بوصفه تعبيرًا عن سيطرة، بل بوصفه اعترافًا ضمنيًا بأن معادلة القوة لم تعد أحادية، لأن اللجوء إلى خيار بهذا الحجم من المخاطرة لا يحدث عادة في لحظة انتصار، بل في لحظة تعثر تبحث فيها القيادة عن مخرج يعيد تشكيل المشهد، فلو كانت الأهداف التي أعلن عنها ترامب قد تحققت فعليًا، ولو كانت سياسة الضغط القصوى قد أنتجت حسمًا مستقرًا، لما كان ثمة ما يبرر القفز إلى مستوى تهديد يفتح الباب أمام أزمة طاقة عالمية، وهو ما يجعل الحديث عن “تحقيق الأهداف” أقرب إلى خطاب دعائي يُستخدم لتغطية فجوة بين ما أُعلن وما تحقق فعليًا على الأرض.
الأدق في توصيف المشهد أن إيران لم تتعامل مع التصعيد كحالة دفاعية بحتة، بل كفرصة لإعادة تعريف التفاوض ذاته، بحيث انتقلت من موقع التلقي تحت الضغط إلى موقع الفاعل القادر على إلحاق كلفة عالمية بالخصم إذا استمر في منطق الإملاء، وهو ما يفسر أن تعثر المسار التفاوضي لم ينتهِ إلى صورة استسلام، بل إلى مشهد أكثر تعقيدًا تتقابل فيه إرادة رفع السقف من الجانب الأمريكي مع قدرة على ضبط إيقاع الرد من الجانب الإيراني، بحيث تتحول الجغرافيا، ممثلة في مضيق هرمز، من عنصر دفاع إلى أداة ردع فعالة تعيد رسم حدود الاشتباك.
وفي هذا الإطار، يصبح خطاب ترامب عن “تحقيق الأهداف” بحاجة إلى قراءة أكثر صرامة، لأن السياسي الذي يحقق إنجازًا فعليًا لا يحتاج إلى تضخيمه في اللحظة نفسها التي ينتقل فيها إلى خيارات أكثر اندفاعًا وخطورة، فالإعلان عن الحصار بعد فشل التفاوض، والانتقال من الضغط إلى التهديد بخنق أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، لا يعكس ثقة بقدر ما يعكس محاولة للهروب إلى الأمام عبر تصعيد جديد يُستخدم لتعويض محدودية ما تحقق، وهو ما يجعل ارتفاع منسوب خطاب النصر متزامنًا مع اتساع دائرة المخاطرة مؤشرًا على أن ما يُطرح بوصفه إنجازًا لا يتجاوز كونه جزءًا من المعركة الإعلامية، لا من الحصيلة الفعلية.
وعليه، فإن جوهر المسألة لا يكمن فقط في صمود إيران، بل في قدرتها على تعطيل الصورة التي حاول ترامب تكريسها لنفسه كرئيس يفرض الإرادة الأمريكية دون كلفة تُذكر، لأن الواقع يكشف أن أي عبث بمضيق هرمز لا يهدد إيران وحدها، بل يفتح الباب أمام أزمة طاقة واسعة، ويرفع منسوب الاضطراب في الأسواق العالمية، بما يجعل التهديد الأمريكي نفسه عبئًا على واشنطن وحلفائها قبل أن يكون أداة ضغط على خصومها، وهو ما يعيد التأكيد على أن استعادة إيران لزمام المبادرة لا تعني إلغاء التفوق الأمريكي، بل تعني كسر وهم الإملاء الأحادي، وفرض معادلة جديدة قائمة على أن الطرف المقابل يمتلك من الأدوات ما يكفي لتوسيع كلفة المواجهة إلى ما يتجاوز ساحة الاشتباك.