من قلب المواجهة إلى صناعة التحول .. ووحدة الساحات تسقط رهانات العدو


في خطابٍ حمل أبعادًا استراتيجية وسياسية عميقة، وضع السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي حفظه الله،  معالم قراءة شاملة للمشهد الإقليمي، كاشفًا عن جملة من الحقائق والدلالات التي تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة، لتلامس جوهر الصراع في المنطقة بين مشروع الهيمنة الأمريكية الصهيونية ومشروع التحرر والاستقلال، لقد جاءت الكلمة في توقيت بالغ الحساسية، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واستمرار محاولات العدو الصهيوني، مدعومًا بالولايات المتحدة، لإعادة فرض معادلات الردع والاستباحة على شعوب الأمة ودولها،  إلا أن الرسالة المركزية التي برزت بوضوح كانت أن الجمهورية الإسلامية في إيران خرجت من هذه الجولة أكثر قوة وثباتًا وتأثيرًا، وأن كل رهانات الأعداء على إضعافها قد سقطت سقوطًا مدويًا.

أعده للنشر | طارق الحمامي

الصمود ثمرة الاستقلال والتحرر

أبرز ما حملته الكلمة هو التأكيد أن ما وصلت إليه إيران من مستوى متقدم في الصمود والثبات لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة طبيعية لـ التوجه التحرري للنظام الإسلامي واستقلال قراره السياسي والعسكري،  هذا الطرح يضع القضية في إطارها الأعمق،  فالدولة التي تبني سيادتها على التحرر من الهيمنة الخارجية، وتؤسس قوتها على الاعتماد على الذات، تكون أقدر على مواجهة الضغوط والعدوان،  وفي المقابل، وجّه السيد القائد نقدًا حادًا  للرؤية التدجينية التي تربط شعوب المنطقة وحكوماتها بالغرب، معتبرًا أن هذا الارتهان لا يمكن أن يشكل مصدر قوة أو حماية، بل هو بوابة للسقوط والانهيار، فالأنظمة التي تعتمد على الأمريكي في حماية عروشها تظل معلقة بإرادة الخارج، وما إن يتخذ الأمريكي قرار التخلي عنها أو إسقاطها حتى تنهار بسهولة.

سقوط رواية “إضعاف إيران”

ومن بين أهم الرسائل التي تضمنها الخطاب، النفي القاطع لما يروجه الأعداء بشأن نجاحهم في إضعاف إيران،  فبحسب القراءة التي طرحها السيد القائد، فإن الجمهورية الإسلامية لم تخرج من هذه المواجهة منهكة، بل خرجت  أكثر خبرة، وأكثر جاهزية،  وأكثر تطورًا في قدراتها،  وأكثر حضورًا وتأثيرًا عالميًا، وهذه النقطة تحمل دلالة استراتيجية مهمة؛ إذ إن المواجهات الكبرى كثيرًا ما تتحول إلى فرصة لتطوير القدرات، واستخلاص الدروس وبناء منظومات ردع أكثر صلابة، وبذلك، فإن العدوان  لم يحقق أهدافه، بل انعكس بصورة معاكسة على من خططوا له.

العدو الصهيوني وعجز المواجهة المنفردة

في بعدٍ آخر من أبعاد الخطاب، برز التأكيد على أن العدو الإسرائيلي لم يكن قادرًا على تنفيذ العدوان على إيران بمفرده، وأنه لم يجرؤ على ذلك إلا بعد الدفع الأمريكي المباشر،  هذه النقطة ترسم صورة واضحة لحجم العجز الذي يعيشه الكيان الصهيوني في مواجهة دولة بحجم إيران، خصوصًا بعد ما وصفه السيد القائد بالدرس القاسي الذي تلقاه في الجولة السابقة،  إنها رسالة سياسية وعسكرية في آن واحد، مفادها أن الكيان الصهيوني لم يعد يمتلك القدرة على فرض إرادته منفردًا، وأنه بات يعتمد بصورة شبه كلية على الشريك الأمريكي.

واشنطن .. شريك صهيوني في العدوان

كما سلّطت الكلمة الضوء على النفوذ الصهيوني الواسع في القرار الأمريكي، معتبرة أن هذا النفوذ بلغ مستويات خطيرة جعلت الولايات المتحدة شريكًا مباشرًا في العدوان، لا مجرد داعم أو وسيط،  وهنا تتضح محاولة الخطاب لتفكيك الصورة التي تحاول واشنطن تسويقها عن نفسها كطرف قادر على إدارة التهدئة، في مقابل تأكيد أنها جزء أساسي من مشروع العدوان والاستهداف.

الصراع لم ينتهِ .. والاستعداد للجولات القادمة

ومن أبرز الدلالات الاستراتيجية التي حملتها الكلمة، التأكيد أن توقف هذه الجولة لا يعني نهاية الصراع،  بل إن السيد القائد شدد بوضوح على أن المرحلة المقبلة تقتضي الاستعداد الحتمي لجولات قادمة، لأن الخطر الصهيوني لا يزال قائمًا، ومشروع الهيمنة لم يتوقف،  هذه الرؤية تعكس فهمًا للصراع بوصفه صراعًا طويل النفس، لا تحسمه جولة واحدة، بل يتطلب يقظة دائمة واستعدادًا مستمرًا.

وحدة الساحات في مواجهة مخطط التجزئة

وفي ما يتصل بجبهات المحور، أعادت الكلمة التأكيد بقوة على معادلة وحدة الساحات، باعتبارها الرد العملي على مساعي العدو الإسرائيلي وشريكه الأمريكي لتجزئة الجبهات والاستفراد بكل ساحة على حدة، فالعدو يعمل دائمًا على فصل المعارك، ومحاولة إسقاط معادلة الترابط بين ساحات المواجهة في فلسطين ولبنان واليمن وسائر جبهات المحور،  إلا أن الرسالة المقابلة كانت واضحة،  لن ينجح العدو في فرض معادلة الاستباحة، ولن يُسمح له بتفكيك وحدة الموقف والمصير.

 

ختاما ..

الكلمة جاءت حاسمة في مضمونها، واضحة في رسائلها، ومشحونة بدلالات سياسية واستراتيجية تعيد قراءة المشهد من زاوية مغايرة للرواية التي يسعى العدو إلى تسويقها،  فإيران لم تخرج من جولة العدوان منهكة أو متراجعة، بل خرجت أقوى حضورًا، أشد تأثيرًا، وأكثر قدرة على البناء والتطوير والمواجهة،
وفي مقابل ذلك، فضح الخطاب هشاشة الأنظمة التي ارتهنت وجودها للأمريكي، مؤكدًا أن من يربط أمنه وسيادته بالخارج لا يملك مقومات البقاء حين تتغير حسابات المصالح الدولية،
كما حملت الكلمة رسائل ردع واضحة للعدو الصهيوني، مفادها أن زمن الاستباحة قد ولّى، وأن محاولات تفكيك جبهات المواجهة وإسقاط معادلة وحدة الساحات لن تنجح، مهما بلغ حجم الدعم الأمريكي أو اتسعت دائرة العدوان،
إنها كلمة تؤسس لمرحلة عنوانها: المقاومة تزداد قوة، والعدو يقترب من مأزقه التاريخي .

 

يمانيون.