متاهة التفاوض الأمريكي: حين يعيد الميدان صياغة المعادلات

​بقلم.  بشار الشعلاني

لا يمكن قراءة الحراك الدبلوماسي الراهن بين طهران وإسلام أباد بمعزل عن حالة الاستنزاف التي يعيشُها كيان الاحتلال في الميدان اللبناني.

​إن الحديث عن وثيقة تفاهم من أربعة عشر بندًا لإنهاء الحرب لا يمثل مُجَـرّد استعراض لنصوص دبلوماسية، هو انعكاس لواقع ميداني فرضته سواعد المقاومين الذين حولوا جنود النخبة الصهيونية ومستوطناتهم إلى أهداف روتينية لمسيرات حزب الله الانقضاضية.

​إن الإشكاليةَ البنيوية في أي مسار تفاوضي تقوده واشنطن تكمن في ازدواجية المعايير؛ فبينما يلوح الأميركي بوعود التهدئة، يواصل الاحتلال ارتكاب المجازر في صير الغربية وصور والنبطية، مراهنًا على وهم كسر إرادَة الشعب اللبناني.

​لقد أدركت طهران أن الإدارةَ الأمريكية ما تزال تراوغ لكسب الوقت، وأن الألغاز التي ينشرها دونالد ترامب ليست سوى محاولات للهروب من استحقاق الهزيمة.

​لذا، جاء موقف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في رسالته إلى سماحة الشيخ نعيم قاسم ليقطع الطريق على المراهنات السياسية؛ فالمعادلة الإيرانية واضحة: لا استقرار في المنطقة ما لم يتضمن أي اتّفاق وقفًا شاملًا لإطلاق النار في لبنان، ودعمًا صريحًا لحق المقاومة في حماية سيادتها.

​إن هذا الربطَ العضوي بين مسارات التفاوض والميدان هو ما يقلق كيان الاحتلال وأتباعه؛ فالمقاومة اليوم لا تفاوض من موقف ضعف، بل من موقع القوة التي أبطلت مفعول القبة الحديدية وأسقطت أوهام الهيمنة العسكرية.

​إن المرحلة الراهنة هي مرحلة الترقب القسري للعدو الذي بات يدرك أن كُـلّ غارة يشنها هي مسمار جديد في نعش استقرار كيانه.

​ومع وجود وثيقة تفاهم تُبحث ضمن سقف زمني محدّد، يظل الميدان هو اللغة الوحيدة التي يفهمها المحتلّ.

​لقد أثبتت تجارب المواجهة أن دماء الشهداء هي التي تفرض شروط السيادة، وهي التي ستحدّد في نهاية المطاف شكل التسويات القادمة، بعيدًا عن ألاعيب البيت الأبيض ومراوغات سلطة لا تزال ترفض إدراك حقيقة أن زمن الانكسار قد ولَّى، وأن المقاومة هي الضمانة الوحيدة لاستقلال لبنان وحفظ كرامته.