تفجيرات بدر والحشحوش في ميزان القانون والذاكرة.. من إرهاب التكفير إلى عدوان الهيمنة
في واحدةٍ من أكثر الجرائم دمويةً وبشاعة في التاريخ اليمني الحديث، دوّى صوت التفجيرات داخل بيوت الله، لا في ساحات القتال، ولا على خطوط المواجهة، بل في لحظة خشوعٍ خالصة، حيث كان المصلّون بين الركوع والسجود.
لم تكن تفجيرات مسجدي بدر والحشحوش في 20 مارس 2015 مجرد عملٍ إرهابي عابر، بل جريمة مركّبة الأركان، تحمل بصمات مشروعٍ كامل يستهدف الإنسان اليمني في دينه ونسيجه الاجتماعي وسيادته الوطنية. وبعد سنوات، تعود هذه الذكرى لا كحدثٍ عابر، بل كملفٍ حقوقي مفتوح يفضح تواطؤ الإرهاب التكفيري مع قوى الهيمنة، ويعيد طرح السؤال الجوهري: من قتل المصلين؟ ومن مهّد، ومن موّل، ومن استفاد؟
الجريمة كما وقعت.. استهداف ممنهج لبيوت الله
في ظهر يوم الجمعة، الموافق 20 مارس 2015، استهدفت سلسلة تفجيرات انتحارية منسّقة مسجدي بدر في حي الصافية والحشحوش في حي الجراف بالعاصمة صنعاء.
نفّذت الهجمات بأسلوب إجرامي بالغ التعقيد؛ حيث فجّر انتحاري نفسه داخل المسجد، فيما تمركز آخرون عند المداخل لاستهداف الفارين والمسعفين، في محاولة واضحة لرفع عدد الضحايا إلى أقصى حد.
أسفرت الجريمة عن استشهاد ما لا يقل عن 137 مواطنًا وإصابة أكثر من 350 آخرين، بينهم أطفال، فيما ترفع تقديرات أخرى عدد الضحايا (شهداء وجرحى) إلى نحو 500. وكان من بين الشهداء قامات علمية بارزة، على رأسهم العلامة الدكتور المرتضى بن زيد المحطوري، في مؤشر خطير على استهداف النخب الدينية والفكرية إلى جانب عامة المدنيين.
هذه الوقائع، وفق المعايير القانونية الدولية، تندرج ضمن جرائم الإرهاب الممنهج والجرائم ضد المدنيين، وتكتسب صفة جريمة حرب بالنظر إلى طبيعة الاستهداف (أماكن عبادة – مدنيون – وقت شعائري)، إضافة إلى أسلوب التنفيذ الذي يُظهر نية القتل الجماعي.
“داعش” يتبنى لكن من يدير المشهد؟
سارع تنظيم “داعش” الإرهابي إلى تبنّي العملية، إلا أن هذا الإعلان لم يُغلق باب التساؤلات، بل فتحه على مصراعيه.. فالتوقيت الحرج، والدقة في التنفيذ، والبيئة السياسية والأمنية التي سبقت الجريمة، كلها مؤشرات على أن العملية لم تكن معزولة عن سياق أوسع.
في المقابل، جاء الموقف الأمريكي متناقضًا، حيث سارعت الإدارة الأمريكية إلى التقليل من وجود علاقة “عملياتية واضحة” بين منفذي الهجوم والتنظيم، في موقفٍ اعتبره مراقبون محاولة لامتصاص الصدمة أو إعادة توجيه الاتهام بما يخدم حسابات سياسية.
تشير تقارير وتحليلات متعددة إلى أن الجماعات التكفيرية، بما فيها “داعش” و”القاعدة”، استُخدمت كأدوات ضمن مشروع إقليمي ودولي، حيث نشطت بشكل لافت خلال فترة الفوضى التي سبقت العدوان، مستفيدة من الغطاء السياسي والإعلامي، ومن حالة الانقسام التي غذّتها أطراف داخلية وخارجية.
بين التفجير والعدوان.. خيط زمني يكشف الترابط
لم تمضِ سوى ستة أيام على تفجيرات بدر والحشحوش، حتى أعلنت السعودية، من واشنطن، بدء عدوانها الغاشم والإجرامي في 26 مارس 2015، بدعم أمريكي مباشر، مستهدفة العاصمة صنعاء وبقية المحافظات بسلسلة غارات جوية.
هذا التسلسل الزمني السريع دفع كثيرًا من المراقبين إلى اعتبار التفجيرات بمثابة تمهيد مباشر للعدوان، أو “الطلقة الأولى” التي مهّدت الأرضية النفسية والسياسية والعسكرية لتبرير التدخل الخارجي.
وبحسب القراءة الحقوقية، فإن أي ترابط بين أعمال إرهابية داخلية وعدوان خارجي لاحق يفتح الباب أمام توصيف أخطر، يتمثل في التواطؤ أو الاستفادة من الإرهاب لتحقيق أهداف عسكرية وسياسية، وهو ما يتطلب تحقيقًا دوليًا مستقلًا.
التحريض والتكفير.. البنية الفكرية للجريمة
لم تكن الجريمة منفصلة عن سياق تعبوي وتحريضي سبقها بسنوات، حيث تعرّضت المساجد المستهدفة، وعلى رأسها مركز بدر، لحملات تكفير وتشويه ممنهجة.
هذا الخطاب، الذي يغذّي الكراهية ويشرعن العنف، يشكّل من منظور حقوقي بيئة حاضنة للجريمة، ويحمّل الجهات التي تقف خلفه مسؤولية غير مباشرة، خاصة عندما يقترن بالدعم المالي والإعلامي والتنظيمي.
تناقض الخطاب والممارسة.. سجل مفتوح للمساءلة
في الوقت الذي تتحدث فيه بعض الدول، وعلى رأسها السعودية، عن “حسن الجوار” و”احترام السيادة”، يستحضر اليمنيون سجلًا مثقلًا بعقدٍ من العدوان، خلّف عشرات الآلاف من الضحايا، وملايين النازحين، ودمارًا واسعًا في البنية التحتية، إلى جانب حصار مستمر.
هذا التناقض بين الخطاب السياسي والممارسة الفعلية يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بـالمصداقية القانونية والأخلاقية، ويعزّز المطالبات بفتح ملفات الانتهاكات، بما فيها الجرائم المرتبطة بالإرهاب والتواطؤ معه.
الأثر المجتمعي.. من الصدمة إلى إفشال المشروع
مثّلت التفجيرات صدمة عميقة للمجتمع اليمني، ليس فقط لحجم الضحايا، بل لطبيعة الجريمة التي استهدفت قدسية المكان والزمان.. غير أن هذه الصدمة تحوّلت، بفعل الوعي الشعبي، إلى عامل تماسك، حيث فشلت محاولات جرّ البلاد إلى دوامة الفتنة الطائفية.
خرج اليمنيون بموقف واضح رافض لـ“دعشنة” المجتمع، ومؤكد على التمسك بقيم الوسطية والتعايش، وهو ما أسهم في احتواء هذا النمط من الجرائم ومنع تكراره بذات الصورة.
ذاكرة الدم.. ومسار العدالة المؤجّلة
تفجيرات مسجدي بدر والحشحوش ليست مجرد ذكرى أليمة، بل قضية حقوقية مفتوحة، تتجاوز حدود الجريمة الجنائية إلى فضاء المساءلة الدولية عن الإرهاب العابر للحدود، وعن استخدامه كأداة في الصراعات.
دماء المصلين التي سُفكت في بيوت الله تضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي: إما أن تُعامل هذه الجريمة وفق معايير العدالة والإنصاف، أو أن تبقى ضمن سجل الازدواجية الذي يحمي الجناة ويغض الطرف عن الضحايا.
ستظل هذه الجريمة شاهدًا حيًا على مرحلةٍ كُشف فيها وجه الإرهاب الحقيقي، لا كتنظيمات معزولة فحسب، بل كجزءٍ من منظومة أوسع من المصالح والصراعات.. وهي في الوقت ذاته ذاكرة حية تُذكّر الأجيال بأن دم السجود لم يكن نهاية الحكاية، بل بداية وعيٍ أفشل المشروع، وفضح الجريمة، وأبقى ملفها مفتوحًا حتى تحقيق العدالة.
موقع 21 سبتمير.