خيوط المؤامرة: “إسرائيل الكبرى” والأنظمة العميلة والفكر التكفيري.. ثالوث الشر لتدمير القوى الإسلامية
لم يكن التفجير الانتحاري الوهابي التكفيري الذي استهدف مصلين في مسجد الإمام برقة للطائفة الشيعية في منطقة ترلاي بأطراف العاصمة الباكستانية إسلام أباد يوم الجمعة 6 فبراير 2026، والذي أودى بحياة 31 شخصًا وأصاب المئات، ليس الأول من نوعه ولا مجرد عمل إجرامي عابر أو حدث معزول عن التوتر الإقليمي التي تشهده المنطقة ككل, وإنما كمؤشر خطير على إدخال باكستان في دوامة العنف الدموي ويحمل رسائل سياسية وأمنية خطيرة، للدولة النووية المسلمة، بعد مواقفها السيادية الأخيرة مع إيران في وجه التهديدات الأمريكية الصهيونية، وأعقاب أحدث فصول مسرحية الدم التي بدأت في صنعاء عام 2015، وتُدار فصولها من تل أبيب وواشنطن، بأدوات إقليمية فقدت بوصلتها الأخلاقية والدينية والقيمية والسياسية والإنسانية.
تقرير | محسن علي
سيناريوهات سبقت العدوان على اليمن
هذا المشهد الدموي العنيف يعيد إلى الأذهان سيناريوهات الفوضى التي سبقت العدوان الأمريكي السعودي على اليمن في العام2015 بأسبوع واحد فقط، تتشابه هنا خيوط هذه الجريمة مع تفجيرات مسجدي “بدر” و”الحشوش” في صنعاء عام 2015، والتي كانت بمثابة الشرارة التي سبقت إعلان العدوان على اليمن، مما يطرح تساؤلات مقلقة حول الأهداف الحقيقية لهذه المخططات ومن يقف وراءها, كما أن هذا الاستهداف يضع باكستان أمام تحدٍ أمني كبير، ويعيد إلى الواجهة خطر الجماعات التكفيرية التي تُستخدم كأداة لزعزعة استقرار الدول التي تخرج عن الخط المرسوم لها أمريكيًا وإسرائيليًا.
عقيدة “بيغن” ومنع أي قوة إسلامية رادعة
لفهم أعمق لأبعاد استهداف باكستان، لا بد من العودة إلى “عقيدة بيغن”، وهي استراتيجية إسرائيلية ثابتة تقوم على منع أي دولة في المنطقة من امتلاك قدرات قد تشكل تهديدًا وجوديًا للكيان الصهيوني، وعلى رأسها السلاح النووي، هذه العقيدة، التي تُرجمت عمليًا بتدمير المفاعل النووي العراقي عام 1981 واستهداف البرنامج السوري عام 2007، تجد اليوم تعبيرها في الحرب المفتوحة ضد البرنامج النووي الإيراني, ووجود دولة إسلامية نووية أخرى مثل باكستان يمثلان كابوسًا استراتيجيًا لصناع القرار في تل أبيب, فمشروع “إسرائيل الكبرى”، الذي يحلم به اليمين الصهيوني بقيادة نتنياهو، لا يمكن أن يتحقق في ظل وجود قوى إسلامية قادرة على فرض معادلات الردع, لذلك، فإن إضعاف باكستان من الداخل عبر إشعال الفتن الطائفية والتفجيرات التكفيرية يخدم الهدف الإسرائيلي المتمثل في ضمان التفوق العسكري المطلق، ومنع ظهور أي محور إسلامي قوي يمكن أن يواجه مخططات تغيير خارطة الشرق الأوسط ويعيق مشروع “إسرائيل الكبرى”.
إيران وباكستان مصادر تهديد
تصريحات نتنياهو السابقة، التي ربط فيها بين إيران وباكستان كمصادر تهديد تكشف عن هذه النظرة الإسرائيلية العميقة، حتى وإن كانت التصريحات الرسمية تحاول التخفيف من حدتها تارة وتصعدها مرة أخرى.
خيوط المؤامرة وفضائح ابستين
بالعودة إلى عملية التفجير الإرهابية نجد أنها ليست مجرد صدفة أن يتزامن الدخان المتصاعد من مسجد المصلين في إسلام آباد مع الظلال القاتمة لفضائح الفساد الأخلاقي والقيمي التي صدمت العالم بأسره على خلفية انتشار جرائم المعلون الصهيوني” جزيرة جيفري ابستين”تلاحق عروشًا عربية, وعالمية ودولية, فخيوط المؤامرة التي تُحاك ضد العالم الإسلامي باتت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى؛ فمن جهة، تُستخدم الجماعات التكفيرية كقنابل موقوتة لتفجير الدول من الداخل، ومن جهة أخرى، يُستخدم الابتزاز السياسي والفساد الأخلاقي كقيود لترويض الحكام وضمان ولائهم, في سياق استراتيجية كبرى تهدف إلى تفكيك أي قوة إسلامية صاعدة, ويضع باكستان، القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي، في دائرة الخطر المباشر، كما أنه يعيد إلى الأذهان سيناريوهات الفوضى التي مهدت لحروب مدمرة في المنطقة، كاشفًا عن ثالوث خطير: مخطط خارجي للهيمنة، وأنظمة حاكمة مرتهنة، وأداة تكفيرية لتنفيذ أجندة الدم.
الفساد الأخلاقي كأداة للسيطرة والابتزاز
لا تكتمل صورة هذا المخطط دون النظر إلى البعد الأخلاقي والسياسي الذي يربط بعض الحكام العرب بدوائر النفوذ الغربية, وإن ظهور أسماء شخصيات بارزة مثل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس دولة الإمارات محمد بن زايد في دوائر مرتبطة بفضائح عالمية مثل “جزيرة الشيطان” الخاصة بجيفري إبستين، يكشف عن مستوى خطير من الارتهان والضعف, هذه الفضائح لا تمثل مجرد انحراف شخصي، بل تتحول إلى ملفات ضغط وابتزاز سياسي تُستخدم لضمان ولاء هؤلاء الحكام وتنفيذهم لأجندات لا تخدم مصالح شعوبهم، وعلى رأسها التطبيع مع الكيان الصهيوني وقمع أي صوت معارض لهذه السياسات.
الوهابية في خدمة المشروع الصهيوأمريكي
وهنا يبرز الدور الخطير لـ”علماء التيار السلفي التكفيري الوهابي” الذين يسارعون للدفاع عن من يسمونهم بـ “ولاة الأمر” وتبرير سياساتهم، بينما يصمتون صمت القبور عن هذه الجرائم الأخلاقية المدوية, هذا الصمت المريب يتحول إلى تضليل ممنهج للأمة، وتدجين للشعوب عبر فتاوى تحرّم الخروج على الحاكم وتدعو لطاعته، حتى وإن تحالف مع أعداء الأمة وفرّط في مقدساتها’ وبهذا، يصبح الفساد الأخلاقي للحاكم، والصمت المطبق للمؤسسة الدينية الرسمية، وجهين لعملة واحدة هدفها إبقاء الأمة في حالة من الضعف والتبعية وهو ما يقوم به دعاءة الفكر الوهابي وأتباعهم من التكفيريين الذين ملأت السعودية بهما العالم العربي والإسلامي, خدمة للمشروع الصهيوأمريكي في المنطقة.
من صنعاء 2015 إلى إسلام آباد 2026
إن التشابه بين تفجير باكستان الأخير وما حدث في العاصمة اليمنية صنعاء في 20 مارس 2015، يثير القلق بشكل كبير، فقبل إعلان تحالف العدوان الذي قادته السعودية والإمارات وبدعم أمريكي عدوانه على اليمن بستة أيام فقط، تم تفجير مسجدي “بدر” و”الحشوش” في صنعاء أثناء صلاة الجمعة، مما أسفر عن استشهاد ما لا يقل عن 140 شخصًا ومئات الجرحى، كانت تلك التفجيرات، التي تبناها التنظيم التكفيري “داعش”، بمثابة غطاء وذريعة لبدء حرب مدمرة تحت شعار “محاربة الإرهاب” و”استعادة الشرعية”، بينما كانت الأهداف الحقيقية تتمثل في استعادة الهيمنة السعودية الشاملة التي ظلت لعقود بعد فقدانها بعد ثورة 21 سبتمبر2014م وضرب القوى الوطنية الصاعدة في اليمن وتدمير مقدرات البلاد واحتلاله ونهب ثرواته وهو ما ظهر للعالم بأسره بعد عشر سنوات من عمر العدوان.
السيناريو ذاته يتكرر في باكستان
اليوم، يتكرر السيناريو ذاته في باكستان, فبعد الموقف الباكستاني الصريح والداعم لإيران، والذي دعا فيه وزير الدفاع الباكستاني العالم الإسلامي للاتحاد بمواجهة إسرائيل، يأتي هذا التفجير الدامي ليُشعل فتيل الفتنة الطائفية من الداخل, والهدف واضح: معاقبة باكستان على مواقفها، وإشغالها في صراعات داخلية تمنعها من لعب أي دور إقليمي مؤثر، تمامًا كما حدث مع اليمن.
الفكر الوهابي أداة وظيفية للصراع
في قلب هذه الاستراتيجية، يتم استخدام الفكر الوهابي التكفيري كأداة وظيفية لخدمة الأجندات الخارجية المعادية, حيث لا يمكن فهم هذه الأحداث دون النظر إلى الدور الذي يلعبه هذا الفكر الذي تأسس في القرن الثامن عشر بتحالف بين محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود، تم استخدامه تاريخيًا لتشويه الاسلام وطمس معالمه وتغييب رموزه وضرب الحركات الإسلامية والوطنية التي لا تتوافق مع المصالح الغربية وربيبته في المنطقة “الكيان الصهيوني بشكل عام والسعودية على وجه الخصوص.
وفي اليمن، يتجلى هذا الدور بوضوح في المحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة من اليمن، حيث انتشرت فيها مليشيا ما يسمى بقوات العمالقة- ذات الطابع التكفيري السلفي العقائدي- والتي تلقت دعمها العسكري والمالي واللوجستي المباشر من دويلة الإمارات خلال 10 سنوات هذه القوات، التي تأسست في عام 2015 لقتال الجيش اليمني المسنود بقبائل اليمن، لتتولي السعودية مؤخرا هذا الدور بعد استلام القوات, وتمضي في استخدامها كأداة لفرض نفوذ خارجي وإعادة رسم خريطة القوى في اليمن، استعدادًا لجولات صراع قادمة تهدف إلى تقسيم البلاد وإضعافها بشكل دائم, كما أن احتضان وتوظيف هذه الجماعات العقائدية المتشددة يكشف عن ازدواجية المعايير لدى الدول التي تدّعي محاربة الإرهاب، بينما هي في الحقيقة من يصنعه ويموله ويوجهه لخدمة مصالحها.
وعي الشعوب هو خط الدفاع الأول
إن المخطط الذي يستهدف باكستان اليوم، والذي استهدف اليمن بالأمس، هو جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى إغراق المنطقة في الفوضى والحروب الطائفية لمنع أي تقارب أو تحالف بين قواها الكبرى , ويعتمد فيها المشروع الصهيوني الأمريكي على أدوات داخلية، متمثلة في الجماعات التكفيرية والأنظمة الحاكمة المرتهنة، لتحقيق أجندات هذا المشروع, ويبقى الرهان على وعي شعوب المنطقة وقدرتها على تمييز العدو الحقيقي, ومواجهة هذا المخطط لا تكون فقط عبر الحلول الأمنية، بل عبر فضح الأيديولوجيات المضللة وداعميها ونسق عقائدها الباطلة ، وتعزيز الوحدة الوطنية والإسلامية كخط دفاع أول وأخير في وجه مشاريع الفتنة والتقسيم.
يمانيون.