تحذيرات علمية تعيد فتح ملف فلورة المياه: مخاوف متزايدة على ذكاء الأطفال
أعاد تقرير علمي حكومي الجدل حول سلامة إضافة الفلورايد إلى مياه الشرب، بعد أن خلص إلى وجود علاقة محتملة بين ارتفاع مستويات هذه المادة وانخفاض معدلات الذكاء لدى الأطفال، في خطوة وُصفت بأنها اعتراف رسمي لافت بمخاطر لم تكن تحظى سابقًا بهذا القدر من الاهتمام المؤسسي.
التقرير الصادر عن «البرنامج الوطني لعلم السموم» ، استند إلى مراجعة واسعة لدراسات أُجريت في عدة دول، بينها كندا والصين والهند وإيران وباكستان والمكسيك، وخلص «بدرجة متوسطة من الثقة» إلى أن التعرض لمياه شرب تحتوي على مستويات من الفلورايد تعادل ضعف الحد الموصى به يرتبط بانخفاض معدل الذكاء لدى الأطفال. ويُعد هذا التقييم الأول من نوعه لوكالة فيدرالية أمريكية يربط بشكل مباشر بين الفلورايد والتأثيرات العصبية على الأطفال.
ورغم أن الفلورايد ظل لعقود يُقدَّم بوصفه أحد أعظم إنجازات الصحة العامة في القرن الماضي، لما له من دور في تقوية الأسنان والوقاية من التسوس وفق مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، فإن التقرير الجديد يسلط الضوء على الوجه الآخر لهذه المادة عندما تتجاوز تركيزاتها المستويات الآمنة. إذ تشير البيانات إلى أن المياه التي تحتوي على أكثر من 1.5 ملغ من الفلورايد لكل ليتر ترتبط بصورة متكررة بانخفاض معدلات الذكاء، مع تقديرات في بعض الدراسات تشير إلى فقدان يتراوح بين نقطتين وخمس نقاط في معدل الذكاء لدى الأطفال الأكثر تعرضًا.
ويكتسب التقرير أهمية إضافية كونه يأتي في سياق مراجعة طويلة بدأت عام 2016، وسط انتقادات وتأجيلات متكررة لمسوداته السابقة. كما يلفت إلى أن نحو 1.9 مليون أمريكي، أي ما يعادل 0.6% من السكان، يشربون مياهًا تحتوي طبيعيًا على مستويات مرتفعة من الفلورايد تصل إلى الحد الأقصى الذي حددته منظمة الصحة العالمية عند 1.5 ملغ لكل ليتر.
الباحثة آشلي مالين من جامعة فلوريدا، المتخصصة في تأثير الفلورايد على الحوامل والأطفال، اعتبرت التقرير «خطوة حاسمة» نحو فهم المخاطر العصبية المحتملة، مؤكدة أن نتائجه تفتح الباب أمام تساؤلات ملحّة حول كيفية حماية الفئات الأكثر عرضة، لا سيما الأجنة والأطفال الرضع الذين قد يتعرضون للفلورايد عبر مياه الشرب أو تركيبات الحليب. وأشارت إلى أن تقليل استهلاك الفلورايد لدى النساء الحوامل قد يكون خيارًا حكيمًا في ظل المعطيات الحالية.
في المقابل، لم يحدد التقرير أخطار المستويات المنخفضة من الفلورايد، داعيًا إلى إجراء مزيد من الأبحاث، كما لم يتطرق إلى التأثيرات المحتملة على البالغين. أما «الجمعية الأمريكية لطب الأسنان»، الداعمة لفلورة المياه، فأبدت تحفظها، مؤكدة أن الخبراء لا يزالون يدرسون نتائج التقرير.
ومع تراكم الأدلة العلمية التي تربط بين الفلورايد وتطور الدماغ، يبدو أن ملف فلورة المياه، الذي ظل لعقود خارج دائرة الشك، بات اليوم أمام مراجعة علمية وسياسية أوسع، قد تعيد رسم سياسات الصحة العامة المتعلقة بمياه الشرب، خاصة عندما يتعلق الأمر بحماية عقول الأطفال.