صالح الصماد.. القائد الذي واجه العدوان وبنى الدولة
صالح الصماد.. القائد الذي واجه العدوان وبنى الدولة
شهدت اليمن مرحلة تاريخية حرجة منذ اندلاع العدوان في 26 مارس 2015، إذ تُعدّ من أصعب المراحل في تاريخ البلاد، وسط هذه الظروف الاستثنائية، تولّى الشهيد الرئيس صالح علي الصماد قيادة الدولة كرئيس للمجلس السياسي الأعلى، مجسّدًا نموذج القائد الذي يضع الوطن قبل ذاته ويتحمل المسؤولية بكل تضحياتها.
النشأة والتكوين
وُلد الشهيد الصماد في 1 يناير 1979 في بني معاذ بمديرية سحار بمحافظة صعدة، تخرّج من جامعة صنعاء وعمل مدرسًا قبل أن يتعمق في العلوم الدينية، متتلمذًا على يد عدد من العلماء البارزين، من بينهم السيد العلامة بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه، ما شكّل أساسًا لوعيه الوطني والفكري ومسيرته القيادية المستقبلية.
في 24 سبتمبر 2014، شغل منصب مستشار رئيس الجمهورية، قبل أن يلمع اسمه ميدانيًا خلال حروب صعدة الظالمة، خصوصًا في الحرب الثالثة، حيث فتح جبهة مقاومة في بني معاذ لتخفيف الضغط العسكري على مناطق مران ونشور وضحيان، وقاد مواجهات مباشرة قرب مدينة صعدة.
شواهد التضحية المبكرة
لم تكن قيادة الصماد نظرية؛ فقد تعرّض منزله ومزارعه للقصف والتدمير، واستشهد اثنان من أشقائه خلال الحرب الظالمة، كما واجه محاولات اغتيال متكررة، هذه الوقائع أبرزت مبكرًا طبيعة القائد الذي لم يفارق ميدان المواجهة، ولم يسعَ إلى الحماية الشخصية، مؤكدًا التزامه بالواجب الوطني فوق كل اعتبار.
قيادة الدولة والمعركة
مع توافق القوى الوطنية عليه رئيسًا للمجلس السياسي الأعلى عام 2016، قاد الشهيد الصماد معركة الدفاع عن اليمن في ظروف غير متكافئة، أمام تحالف يمتلك تفوقًا في المال والسلاح والإعلام، مع غطاء دولي كامل.
كان له حضور مباشر في أكثر الجبهات حساسية، واهتمامه بحياة المواطنين والمؤسسات جزءًا من استراتيجيته الوطنية، كما ساهم، بالتعاون مع قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، في تطوير الصناعات العسكرية اليمنية، بما فيها الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، ما شكّل معادلة ردع استراتيجية في مواجهة العدوان.
مشروع “يد تحمي.. ويد تبني”
في 26 مارس 2018، أعلن الرئيس الصماد مشروعه الوطني “يد تحمي.. ويد تبني”، ليؤكد أن معركة الدفاع عن اليمن لا تنفصل عن بناء الدولة.
ارتكز المشروع على ثلاثة مبادئ أساسية:
ـ الاستقلال الكامل: لا تبعية، لا وصاية، لا خضوع.
ـ المصالحة الوطنية: توحيد الصف وإنهاء الخلافات الداخلية.
ـ الاعتماد على الذات: بناء اقتصاد قوي وتقوية مؤسسات الدولة.
كان المشروع خارطة طريق لبناء دولة مستقلة، تعتمد على أبنائها وتحقق مصالحهم، ولم يكن مجرد شعار سياسي.
بصمات خالدة
ترك الرئيس الصماد إرثًا وطنيًا خالدًا من الإنجازات العملية والسياسية والاجتماعية، أبرزها:
ـ تطوير الصناعات الدفاعية المحلية لتعزيز القدرات العسكرية وفرض معادلة ردع استراتيجية.
ـ إدارة الجبهات الميدانية بكفاءة عالية، مع الحفاظ على الانضباط والتخطيط الدقيق لمواجهة العدوان.
ـ التفاعل المباشر مع المواطنين ومتابعة مشاكلهم، مع دعم مؤسسات الدولة وتعزيز عملها.
ـ تبني مشروع بناء الدولة المستقلة، الذي ركّز على الاستقلال الوطني والمصالحة والاعتماد على الذات.
كما جسّد نموذج القائد الإيماني الذي يضع مصلحة الأمة فوق كل اعتبار، مؤمنًا بالسلام المشرف والدفاع المشروع عن الوطن، ليصبح رمزًا للأجيال القادمة في القيادة الوطنية والمسؤولية المجتمعية.
الاغتيال ومحاولة إسقاط المشروع
في 19 أبريل 2018، استشهد الرئيس الشهيد صالح الصماد خلال جولة ميدانية في محافظة الحديدة، بعد استهدافه بغارات جوية نفذتها قوات العدوان الأمريكي-السعودي ـ الإماراتي، في عملية كشفت حجم التهديد المباشر الذي كان يواجهه نتيجة دوره المحوري في قيادة الدولة ومواجهة العدوان.
بعد استشهاده، أظهرت تغطيات وسائل إعلام صهيونية احتفاءً بالعملية، ووصفت بعض الصحف الصماد بـ”الرجل المزعج للتحالف”، في مؤشر على التأثير الكبير الذي شكّله في مسار المواجهة والدفاع عن اليمن.
إرث خالد
رغم اغتياله، استمر مشروعه “يد تحمي.. ويد تبني” كمرجعية في بناء الدولة، وأصبحت صورته رمزًا للقائد الذي عاش مسؤولية الدولة في زمن النار والحصار.
شهادات السياسيين والمحللين تؤكد أن استشهاده كان محفزًا للشعب اليمني على الثبات والتضحية، وأن إرثه القيادي لا يزال حاضرًا في الجبهة الداخلية وفي المؤسسات العسكرية والمدنية.
شخصية فذة ومثال يُحتذى
تميز الصماد بالجمع بين الثقافة القرآنية والحنكة السياسية والعسكرية، وكان دائم التواصل مع الشعب، مستمعًا لمعاناته، وزائرًا للجرحى وأسر الشهداء، ومتابعًا للمشاكل اليومية من المدارس إلى المستشفيات والمرافق الحكومية، في نموذج نادر للرئيس الذي يقود من قلب المعركة ومن قلب المجتمع.
لقد ترك إرثًا قياديًا ونهضويًا، يظهر في تطوير المنظومة الدفاعية، وإرساء مبادئ الدولة الحديثة، وتوحيد الصف الوطني، مع الحفاظ على القيم الإيمانية والأخلاقية في إدارة الدولة والمجتمع.
رمز العزة والوفاء في ذاكرة اليمنيين
الشهيد الرئيس صالح الصماد ليس مجرد رئيس، بل رمز وطني خالد في ذاكرة اليمنيين، لقد جسّد معنى المسؤولية والوفاء، وحوّل القيادة إلى مثال يُحتذى به، وأصبح مشروعه الوطني دليلًا للطريق نحو يمن مستقل، حر، ومتماسك.
ذكراه الحية في القلوب لا تموت، فهي عنوان العزة والصمود لكل أجيال اليمن القادمة.
موقع 21 سبتمبر.