مشروع الهيمنة .. قراءة استباقية لواقع بات اليوم أكثر وضوحاً من أي وقت مضى
تتجاوز رؤية الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي حدود الخطاب الديني التقليدي، لتشكّل مشروع وعيٍ قرآني شامل يعيد تعريف علاقة الإنسان المسلم بربه، وبأمته، وبالواقع من حوله، إنها رؤية لا تكتفي بتشخيص الخلل، بل تغوص في جذوره الفكرية والنفسية، وتضع يدها على أخطر ما أصاب الأمة، من الرضا بالهوان، والتكيّف مع الذل، وتحويل الاستسلام إلى ثقافة، من هذا المنطلق، تبرز عظمة هذه الرؤية في كونها إحياءً لوظيفة القرآن بوصفه كتاب هداية وحركة وموقف، لا كتاب تلاوة معزولة عن قضايا العصر.
أعده للنشر / طارق الحمامي
الإيمان بوصفه مسؤولية لا حالة ساكنة
الأساس الذي تقوم عليه رؤية الشهيد القائد التي قدمها في درس ’’الصرخة في وجه المستكبرين’’، هو أن الإيمان الحقيقي لا ينفصل عن تحمّل المسؤولية أمام الله، فالقرآن لا يترك للإنسان مساحة للحياد حين تُنتهك الكرامة وتُستباح الحقوق، إن استشهاده المكثف للآيات القرآنية في قوله تعالى سبحانه : {كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ}، {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}، {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً}، ليس توظيفاً خطابياً، بل إعادة تحميل النص القرآني كاملاً وزنه التكليفي، وهنا تتجلى عظمة الرؤية في نقل المسلم من موقع المتفرج القَلِق إلى موقع الإنسان المسؤول عن موقفه أمام الله.
تحرير الضمير من ثقافة القبول بالذل
من أعمق ما في هذه الرؤية أنها تكشف أن أخطر أشكال الهزيمة ليست العسكرية أو الاقتصادية، بل الهزيمة الداخلية حين يعتاد الإنسان الذل، ويبرر القهر، ويُقنِع نفسه أن الصمت حكمة، ويحطّم الخطاب هذا الوهم بسؤال قرآني حاسم، هل يرضى الله لعباده أن يقفوا بين يديه وقد قبلوا بالضعة والهوان؟، وهنا تتحول الآخرة من فكرة مؤجلة إلى محكمة أخلاقية حاضرة في الوعي اليومي، تضبط السلوك والموقف، وتمنع تبرير التقاعس بالدعوى الدينية أو الواقعية.
قراءة واعية لمسار الأمة
تعكس الرؤية فهماً عميقاً لمسار التراجع الذي أصاب الأمة العربية والإسلامية، حيث لم تعد الأزمات تُقرأ كحالات منفصلة، بل كجزء من سياق تاريخي واحد عنوانه، تفكك داخلي وفقدان البوصلة وارتهان القرار وتغييب الوعي، وفي واقع الأمة اليوم، من فلسطين إلى العراق، ومن اليمن إلى السودان، تتكرر الصورة نفسها، شعوب تُستنزف، وثروات تُنهب، وقرار سياسي مرتهن، ووعي جماهيري يُحاصَر، وهو ما يجعل طرح الشهيد القائد حول المشروع المتكامل للهيمنة، قراءة استباقية لواقع بات اليوم أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
من العجز إلى الفاعلية
تُظهر الرؤية فهماً دقيقاً للحالة النفسية التي أصابت الأمة، حيث تحوّل سؤال (ماذا نعمل؟) من بحث عن حلول إلى تعبير عن الاستسلام، ويكمن عمق الطرح في كسره لهذه الحالة، عبر التأكيد أن ساحات العمل متعددة، والتأثير لا يُقاس بحجمه المادي
وأبسط أشكال الوعي قد تكون أشد إزعاجاً لقوى الهيمنة من القوة الصلبة، وقد أثبت واقع الأمة أن الكلمة الواعية والموقف الصادق كثيراً ما كانا شرارة لتحولات كبرى، وأن أخطر ما تخشاه قوى السيطرة هو استيقاظ الشعوب لا سلاحها فقط.
وحدة الأمة شرط النجاة وجوهر الرؤية
تحتل وحدة الأمة موقعاً مركزياً في هذه الرؤية، لا بوصفها شعاراً سياسياً، بل فريضة قرآنية، فالانقسام ليس مجرد خطأ إداري أو سياسي، بل سبب مباشر للهزيمة والعذاب الحضاري، وفي واقع عربي وإسلامي مرتهن للعدو الصهيوأمريكي، فإن هذه الرؤية صرخة تحذير مبكرة من مآلات نعيشها اليوم، دول مفككة ومستباحة، ومجتمعات متناحرة.
صدق الرؤية في زمن التحولات
إن المتأمل في واقع الأمة خلال العقود الأخيرة يلحظ صدق الكثير مما حذرت منه هذه الرؤية العميقة ، تطبيع التبعية باسم الواقعية، وتآكل السيادة باسم الاستقرار، وإسكات الشعوب وقهرها باسم الأمن، وفي المقابل، يلاحظ أن أي نهضة جزئية أو صمود شعبي ارتبط دائماً بعودة الوعي والكرامة والشعور بالمسؤولية، وهي القيم ذاتها التي جعلها الشهيد القائد جوهر المشروع القرآني.
ختاماً
تتجلى عظمة رؤية الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي في كونها رؤية، تعيد للقرآن دوره القيادي، وللإنسان كرامته ومسؤوليته، وللأمة وعيها بذاتها وأعدائها وتاريخها، وهي رؤية لا تعد بالانتصار السريع، لكنها تضع الأمة على طريق الخلاص الحقيقي، ’’طريق الوعي، والموقف، والصدق مع الله’’ ، وفي زمن يحاول فيه كثيرون إقناع الأمة بأن الذل قدر، تأتي هذه الرؤية لتؤكد حقيقة قرآنية خالدة، أن الأمة التي ترفض الذل في وعيها، لا يمكن أن يُكتب لها الهوان إلى الأبد.
يمانيون.