حين تنقلب القهوة عليك: لماذا يضيق جسدنا بالكافيين كلما تقدمنا في العمر؟


لطالما كانت القهوة رفيقة الصباح ومفتاح اليقظة ومتعـة يومية لا يُتصوَّر الاستغناء عنها، لكن المفارقة القاسية التي يكتشفها كثيرون مع مرور السنوات هي أن هذا المشروب “الودود” قد يتحول فجأة إلى مصدر توتر وقلق وخفقان، حتى بعد كوب واحد فقط. هذه التجربة التي بدت فردية في ظاهرها، تكشفها الدراسات والآراء الطبية بوصفها ظاهرة شائعة ترتبط بتغيرات فسيولوجية وهرمونية تراكمية تصاحب التقدم في السن.
الكافيين يُمتص بسرعة في الجسم ويبلغ ذروته في الدم خلال أقل من ساعة، ثم يبدأ الكبد في تفكيكه عبر إنزيمات متخصصة، أبرزها CYP1A2. لدى البالغين الأصحاء، قد يستغرق التخلص من نصف كمية الكافيين ما بين ثلاث إلى سبع ساعات، إلا أن هذا الرقم ليس ثابتاً. فالعمر، والعوامل الوراثية، ووظائف الكبد، والأدوية، والحالة الهرمونية، كلها عناصر تتحكم في سرعة أو بطء هذه العملية. ومع التقدم في السن، تتباطأ عمليات الأيض تدريجياً، ويقل نشاط بعض الإنزيمات، ما يعني بقاء الكافيين مدة أطول في الجسم وتأثيره بقوة أكبر.
هذا البطء في التخلص من الكافيين يفسر لماذا تصبح الأعراض أكثر حدة مما كانت عليه في السابق: قلق غير مبرر، توتر، صعوبة في النوم، تسارع ضربات القلب، وحتى شعور مفرط بالنشاط غير المريح. فالكمية التي كان الجسم يتعامل معها بسهولة في العشرينيات أو الثلاثينيات، قد تتحول لاحقاً إلى عبء ثقيل، خاصة إذا تراكمت مع أكواب متعددة خلال اليوم.
ولا يقف الأمر عند العمر وحده، إذ تلعب الوراثة دوراً محورياً. فبعض الأشخاص يملكون طفرات جينية تجعلهم “بطيئي الأيض” للكافيين، بينما يتمكن آخرون من شرب عدة أكواب من دون أي آثار جانبية تُذكر. كما أن التغيرات الهرمونية، خصوصاً لدى النساء في فترات ما قبل انقطاع الطمث أو عند استخدام موانع الحمل الفموية، قد تُبطئ استقلاب الكافيين بشكل ملحوظ، ما يضاعف من احتمالات القلق والأرق.
ورغم أن الدراسات تشير إلى أن الفروق الكبيرة في الأيض تظهر بوضوح بعد سن الخامسة والستين، إلا أن كثيرين يبدؤون ملاحظة التغير منذ الأربعينيات من العمر، حين تتفاوت سرعة “نضوج” أجهزة الجسم وتراجع كفاءتها. ومع أن هذه الحساسية المتزايدة لا يمكن عكسها كلياً، إلا أن التعايش معها ممكن عبر استراتيجيات بسيطة: تقليل الكمية تدريجياً، مباعدة أكواب القهوة، تجنبها بعد منتصف النهار، تحسين جودة النوم، والحرص على الترطيب وتناول وجبات متوازنة.
ولمن لا يرغب في الفراق التام، تبرز بدائل مثل القهوة منزوعة الكافيين أو نصف المنزوعة، أو حتى مشروبات نباتية كالهندباء، التي تمنح طقس القهوة من دون ثمنها العصبي. فربما لا تكون المشكلة في القهوة ذاتها، بل في أن أجسادنا، مع مرور الزمن، تطلب منا أن نصغي إليها أكثر ونراجع عاداتٍ اعتقدنا طويلاً أنها ثابتة لا تتغير.