ماذا يعني استهداف اليمن “طائرتي شحن عسكرية” سعودية؟
يشهد مسرح العمليات العسكرية تطورات استراتيجية متسارعة تفرض واقعاً ميدانياً جديداً، عنوانه الأبرز تفوق القدرات الردعية اليمنية في اختراق الحصون الجوية للعدو السعودي.
ويأتي استهداف طائرتي نقل عسكرية سعودية بصواريخ بالستية دقيقة في كلٍ من مطار نجران وقاعدة خالد الجوية بخميس مشيط، ليشكل نقطة متقدمة ونوعية في مواجهة العدو؛ كاشفًا عن مستوى غير مسبوق من التكامل بين الاستخبارات العسكرية وقوة الردع الصاروخي، ومؤكدًا من جديد هشاشة المنظومات الدفاعية المتطورة للنظام السعودي أمام الضربات اليمنية الموجهة، واختراق اليمن للعمق الأمني للعدو بشكل دائم.
ويمكن القول أن هذه العمليات النوعية تدشن اليمن مرحلة استراتيجية متقدمة تعتمد فيها القوات المسلحة اليمنية على “التدمير النوعي الدقيق” للأصول العسكرية واللوجستية الحربية للخصم، واستهداف مفاصل القوة الحيوية للطيران السعودي الحربي والمدني (كما شهدنا ترحيل سلطات المطارات السعودية لطائراتها من مطار خالد الدولي ومن الدمام على سبيل المثال)، وهذا يعكس نضجاً استخباراتياً وعسكرياً فريداً لليمن، يضع العدو السعودي أمام مأزق استنزاف دائم يجمع بين الكلفة المالية الباهظة، والضغط المعنوي المتواصل، والعجز المتزايد لمنظومات الحماية الجوية عن تأمين العمق العسكري الحساس.
والواقع أن تمكن القوات المسلحة اليمنية من استهداف طائرتي نقل عسكرية بصاروخين بالستيين (الأولى في مطار نجران والأخرى في قاعدة خالد الجوية بخميس مشيط) يمثل تطوراً عسكرياً واستراتيجياً بالغ الأهمية، على مسارين، الأول يتعلق بالقدرات اليمنية، والثاني بانعكاساتها على الجانب السعودي.
فيما يتعلق بالقدرات اليمنية، فإن استهداف طائرات “نقل عسكرية” محددة وهي على الأرض داخل مطار وقاعدة عسكرية محصنة يتطلب معلومات استخباراتية دقيقة وفورية. هذا يعني أن القوة الصاروخية والاستخباراتية لبلادنا تمتلك قدرات رصد ومراقبة مستمرة ومتطورة وعالية الكفاءة لرصد حركة الطائرات وتوقيت تمركزها ومواقعها بدقة متناهية، وليست مجرد ضربات عشوائية أو ضربات موجهة لمساحات واسعة.
والوصول إلى أهداف نقطية متحركة أو شبه ثابتة ذات قيمة عسكرية عالية “طائرات نقل عسكرية” بصواريخ بالستية يعكس دقة الإصابة، والقدرة على تجاوز وخداع منظومات الدفاع الجوي المنتشرة في أنحاء المملكة والتي تشمل أنظمة دفاع جوية متعددة أمريكية وبريطانية ويونانية وتركية وباكستانية وغيرها، لحماية هذه القواعد الحساسة.وهذا يعزز الفشل الدفاعي والأمني السعودي رغم كثافة حضوره خاصة في القواعد العسكرية والمنشآت الحيوية الحساسة.
والقدرة على ضرب نقاط محددة داخل قواعد جوية ومطارات استراتيجية في العمق السعودي أو بالقرب من الحدود المباشرة تعني أن صنعاء تمتلك بنك أهداف واسع ومرن وقدرة مستمرة على المبادرة وتوجيه ضربات موجعة تعطل القدرات اللوجستية للخصم.
ولا تقتصر دلالات استهداف طائرات الشحن العسكري على الأبعاد الفنية والاقتصادية والعسكرية فحسب، بل تحمل رسالة ردع استراتيجية بالغة الأهمية؛ إذ يأتي هذا الاستهداف في ظل استمرار عمليات شحن الأسلحة ونقل المقاتلين والمرتزقة إلى المطارات والمواقع في المحافظات اليمنية المحتلة عبر مطارات عدن والريان بالمكلا، وغيرها.
كما أن ضرب أصول في أسطول النقل اللوجستي يحد ويعطل إمدادات العدو، ويضرب تلك الخطوط الحيوية، وهو بهذا يوجه رسالة واضحة بأن العبث بأمن اليمن واستمرار تدفق عناصر التخريب والإرهاب عبر المطارات والموانئ المحتلة هو ضمن بنك الأهداف اليمني، كما هي التحشيدات التي يتم استهدافها بشكل دائم، وهذا بالتأكيد له علاقة بقدرة صنعاء الكبيرة على الوصول لعمق العدو في الميدان والأجواء. وهذا الوصول شاهدناه في القاعدة السعودية السرية في شبوة، وفي مطار عدن والريان ومن قبل في المخا، وحضرموت والوديعة ومأرب وكل مكان كانت تظهر فيه التحركات والتحشيدات السعودية التي تستهدف اليمن والشعب اليمني، سواء داخل الأراضي اليمنية أو خارجها.
وفي الجانب المقابل فإنخسارة العدو السعودي لطائرتين عسكريتين للخدمات اللوجستية باهظتي الثمن هو أمر حساس وموجع جدًا.فطائرات النقل العسكري تمثل “العمود الفقري” للإمداد والتحريك اللوجستي السريع ونقل القوات والعتاد. وخسارة طائرتين منها في ضربة خاطفة تمثل ضربة مباشرة للقدرات اللوجستية والعملياتية لسلاح جو العدو، نظراً لارتفاع تكلفة هذه الطائرات وصعوبة تعويضها السريع، فضلاً عن دورها الحيوي في مسرح العمليات.
والمعروف أن القواعد الجوية والمطارات السعودية مثل قاعدة الملك خالد بخميس مشيط ومطار نجران، هي نقاط عسكرية بالغة الحساسية وتحاط عادةً بأحدث شبكات الدفاع الجوي والإنذار المبكر مثل بطاريات الباتريوت وغيرها. ونجاح الصواريخ البالستية في اختراق هذه المظلات وإصابة أهدافها بدقة يطرح علامات استفهام كبرى حول كفاءة هذه المنظومات في التعامل مع الصواريخ البالستية الموجهة بدقة، وهذا معناه أن القدرات اليمنية ماضية في تدمير البنى التحتية العسكرية للعدو السعودي كما هو الحال مع البنى التحتية الاقتصادية التي يتم ضربها في ظل استمرار نظام ال سعود في استهداف وحصار وتجويع اليمنيين وفقًا لمعادلة “الحصار بالحصار والنار بالنار”.
يضاف إلى ذلك أن هذا التطور في ضرب الأهداف المكلفة والحساسة يفرض على السعودي إجراءات أمنية معقدة تستنزف مقدراته المالية بالدرجة الأولى في محاولة حماية هذه الأصول العسكرية باهظة الثمن، فضلاً عن أن تدمير هذه الأصول واستباحة المطارات والقواعد العسكرية السعودية يعزز تعطيل حركة الطيران السعودي بشكل أوسع، ويضع قيادة العمليات العسكرية للعدو تحت ضغط مستمر لتأمين منشآتها الحيوية.
وهذا ما يجعلنا نقول إن مثل هذه العمليات النوعية هو انتقال إلى مرحلة متقدمة تتفوق فيها دقة التكنولوجيا العسكرية والاستخبارات اليمنية في ضرب أهداف العدو، وتؤكد أن “بنك الأهداف” لدى القوات المسلحة اليمنية يعتمد (كما رأينا من قبل في ضرب اهداف سرية وحساسة للعدو) على التدمير النوعي الدقيق للأصول الاستراتيجية العسكرية للخصم كالطائرات والمنشآت اللوجستية والحيوية وليس الاكتفاء بالقصف الرمزي، ما يشكل استنزافاً مادياً ومعنوياً كبيراً للنظام السعودي.
المسيرة نت.