أعلى مقامات الكرامة


بقلم / تهاني الشريف

الأرواح التي تُبذل في سبيل الله ليست مجرد أرقام تُحصى، بل هي قوافل من نور تمضي قافلة تلو الأخرى، تترك خلفها أثرًا لا يُمحى ودربًا لا يضيع.

في أرض الإيمان والحكمة، تعلمنا أن العطاء ليس بالمال وحده؛ بل إن أعظم العطاء هو أن يجود الإنسان بروحه، حين يرى أن دينه وقيمه ومبادئه تستحق أن يُفدى كل شيء لأجلها، وهنا يتجلى معنى الوفاء الحقيقي، وهنا يُعرف الصادق من المدّعي.

هؤلاء الّذين مضوا، لم يخرجوا طلبًا لدنيا ولا لجاه، ولا سعيًا وراء منصب، خرجوا وهم يحملون القُرآن في صدورهم، واليقين في قلوبهم، أن من كان مع الله فلن يضيع.
ثباتهم في الميدان، صبرهم في الشدائد، إخلاصهم في المواقف، كلها شواهد على صدقهم، وبراهين على أنهم باعوا من الله فاشترى.
لقد كانت دماؤهم مدادًا كُتب بِه تاريخ العزة، وخطواتهم جسورًا عبرت عليها الأمة من الذُّل إلى الكرامة لم تهزهم عواصف الباطل، ولم تثنهم مغريات الدّنيا، لأنهم أدركوا حقيقة هذه الحياة، أنّها مزرعة للآخرة، وأن ما عند الله خير وأبقى.

إنهم يرحلون جسدًا وتبقى وصاياهم نبراسًا لنا.
وصاياهم لا تقول وداعًا؛ بل تقول: أكملوا الطريق.
تقول: كونوا كما عهدتمونا، ثابتين على الحق، متمسكين بالقرآن، متآخين فيما بينكم، لا تفرقكم الفتن ولا تضعفكم المحن.
تقول لنا: إن النّصر ليس صدفة؛ بل هو ثمرة تضحية، وثمرة صبر، وثمرة دماء طاهرة سُكبت في سبيل الله.
إن الشهادة ليست نهاية؛ بل هي بداية الحياة الحقيقية، بداية الخلود، بداية الرّزق عند رب كريم، بداية الفرح الّذي لا ينقطع: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ..﴾. فكيف نحزن على من اختارهم الله ليكونوا أحياءً عنده، وكيف لا نغبطهم على ما نالوا؟

وإننا اليوم حين نذكرهم، لا نذكرهم حزنًا فقط، بل نذكرهم فخراً وعزة وشموخًا، نفتخر أن فينا من وصل إلى أعلى مقامات الكرامة، وهي الشهادة في سبيل الله، تلك المنزلة التي قال الله عن أهلها: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.

فسلام على أرواحهم الطاهرة التي ارتقت، وسلام على خطاهم المباركة التي ثبتت، وسلام على أمهات صبرت واحتسبت وزغردت يوم ارتقاء فلذات أكبادها، وسلام على آباءٍ ربوا رجالاً لا تهاب الموت، وسلام على أسرٍ قدمت أغلى ما تملك وهي راضية مطمئنة، لأنها تعلم أن تجارتها مع الله رابحة.

وعهدنا لهم، أن نبقى على العهد، أنصارًا لله، حاملين للأمانة، سائرين على نفس الدرب، لا نبدل ولا نغير، حتّى يتحقق وعد الله بالنّصْر والتّمكين، وحتى نلقاهم في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر