السعودية تدفع فاتورة التصعيد.. 6 مليارات دولار تتبخر وفعاليات تُلغى ومشاريع كبرى تدخل دائرة الخطر
لم تعد آثار العمليات اليمنية المتواصلة في العمق السعودي محصورة في لحظة عسكرية أو منشأة مستهدفة، بل أخذت طريقها إلى القطاعات التي أرادت الرياض تقديمها بوصفها واجهةً لمستقبل المملكة: الطيران، والاستثمار، والرياضة، والسياحة، والمشاريع العملاقة، ومع استمرار معادلتي «الحصار بالحصار» و«التصعيد بالتصعيد»، تتسع دائرة الكلفة السعودية من الأمن إلى الاقتصاد، ومن المطارات إلى الملاعب، لتجد رؤية ابن سلمان نفسها أمام اختبار لا تحسمه الدعاية ولا الإنفاق المفتوح، وهي تداعيات تكشف أن التصعيد لم يعد بلا ثمن، وأن قدرة السعودية على حماية نموذجها الاقتصادي والاستثماري باتت مرتبطة أولًا بإنهاء الحرب والحصار.
تقرير | محسن علي
من الرد العسكري إلى الكلفة الاقتصادية
تواصل العمليات اليمنية، وفق تقارير إعلامية وتحديثات شركات الطيران، فرض تداعيات تتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة،فقد امتدت آثارها إلى حركة الطيران، ومواعيد الفعاليات الدولية، وجاذبية الاستثمار، ومشاريع الترفيه والرياضة التي شكّلت جزءًا أساسيًا من خطة السعودية لتنويع اقتصادها وتقليل الاعتماد على النفط.
وتكشف هذه التطورات أن معادلة «التصعيد بالتصعيد» تحولت إلى ضغط متواصل على صورة المملكة بوصفها مركزًا آمنًا للأعمال والفعاليات العالمية، فحين تصبح المطارات موضع تحذير، وتتغير جداول الرحلات، وتُعاد جدولة البطولات، يتراجع عامل الاستقرار الذي تحتاجه المشاريع الكبرى لجذب المستثمرين والزوار والشركات.
الرياضة.. الواجهة التي أصابها الاضطراب
برزت التداعيات في القطاع الرياضي بوضوح، مع تأجيل فعاليات وإلغاء أخرى أو نقلها إلى دول مختلفة، وأفادت صحيفة «الغارديان» بأن الحرب مع اليمن ألقت بظلالها على الطموحات الرياضية السعودية، مشيرة إلى تأخر مباراة النصر السعودي ونفتشي فرغانة الأوزبكي بعد تحذير أمني قبل انطلاقها بدقائق على خلفية تهديدات صاروخية.
كما طالت الاضطرابات بطولة السعودية الدولية للغولف، التي أُجلت إلى أجل غير مسمى، وبطولة العالم للدراجات الحضرية في الرياض، التي أُلغيت، إلى جانب تأجيل كأس العالم للرياضات الإلكترونية ونقل بطولة «الملوك الستة» للتنس، ونُقلت دورة الألعاب الآسيوية الشتوية لعام 2029 من السعودية إلى كازاخستان، في مؤشر على أن المخاطر الأمنية بدأت تؤثر في قدرة المملكة على استضافة الفعاليات الكبرى.
مشاريع ابن سلمان تحت المراجعة
لم تتوقف الضغوط عند الفعاليات، بل وصلت إلى بنية المشاريع المستقبلية، فقد أُثيرت تساؤلات حول مصير خمسة ملاعب مقترحة لاستضافة كأس العالم 2034، بينها ملعب «نيوم» المخطط لإقامته على ارتفاع 350 مترًا، بالتزامن مع تقليصات طالت مشروع «ذا لاين» ومشاريع المدن المستقبلية والتزلج في الصحراء.
وتتصل هذه المراجعات بأزمة أوسع تواجه صندوق الاستثمارات العامة، الذي يتعرض لضغوط لإعادة توجيه موارده نحو الاقتصاد المحلي، كما تكبد مشروع «ليف غولف» خسائر قُدرت بنحو ستة مليارات دولار، قبل أن ينتهي به المطاف إلى طلب الحماية من الإفلاس في سبتمبر، بالتزامن مع تصاعد العمليات اليمنية، وفق ما أوردته المادة الصحفية.
وتكتسب هذه الخسائر أهمية إضافية لأن الاقتصاد السعودي يحتاج إلى توفير فرص عمل لشريحة شابة واسعة؛ إذ تقل أعمار 75% من السعوديين عن 35 عامًا، بحسب الأرقام التي أوردتها «الغارديان»، وكل تراجع في المشاريع والاستثمارات يضغط على قدرة الحكومة على تنفيذ وعودها الاقتصادية والاجتماعية.
الطيران.. العزلة تتسع
في المجال الجوي، مددت شركة «أكاسا إير» الهندية تعليق رحلاتها من الرياض وجدة وإليهما حتى 27 أكتوبر، مبررة القرار بالوضع الأمني، وأفادت «ذا ناشيونال» بأن شركات خليجية وآسيوية وأوروبية وأمريكية واصلت تعليق رحلاتها أو تعديلها، مع تفاوت المواعيد حتى نوفمبر وديسمبر ويناير 2027.
وشملت التغييرات رحلات «الاتحاد» و«الإمارات» و«فلاي دبي» و«العربية للطيران» و«الخطوط الجوية القطرية» و«الطيران العُماني»، إضافة إلى شركات فرنسية وبريطانية وألمانية وهندية وأمريكية وآسيوية، كما أُجل إطلاق خط دلتا بين أتلانتا والرياض إلى مارس 2027، ومددت شركات أخرى تعليق رحلاتها إلى الرياض وجدة والدمام والمدينة المنورة.
ختاما
تكشف هذه التطورات أن أثر العمليات اليمنية لم يعد يُقاس بعدد الأهداف العسكرية وحدها، بل بمدى قدرتها على إرباك النموذج السعودي الذي يقوم على الأمن والانفتاح والاستثمار والفعاليات العالمية، فحين تتعطل الرحلات، وتُراجع المشاريع، وتغادر البطولات، وتتراكم الخسائر، تصبح معادلة التصعيد بالتصعيد واقعًا اقتصاديًا وأمنيًا لا يمكن تجاهله، وبينما تحاول الرياض حماية صورتها ووعودها الاستثمارية، يثبت مسار الأحداث أن كلفة الحرب لن تتراجع إلا بوقف العدوان ورفع الحصار عن اليمن.
المصدر: يمانيون.