اليمن بين مجد الأجداد ومهانة التبعية


بقلم |.عادل الحسني

لو بُعث الأجداد من مراقدهم، وانكشف لهم ستر الغيب عن واقع هذه البلاد، ثم نظروا إلى اليمني الذي عرفوه عزيز الجانب، ماضي العزيمة، نافذ البصيرة، شديد المِراس، إذا اعتزم أمضى، وإذا نطق أفحم، وإذا نهض أوجع، وإذا تولّى أمرًا أحكم
ثم نظروا إلى ما آل إليه أمر بعض أبنائه، وما انتهت إليه عزائم رجال من سليل سبأ وقتبان وحمير، لرأوا من انقلاب الدهر ما تقصر عن احتماله النفوس، ولأبصروا من نُكران المجد ما يندى له جبين التاريخ.

أيُّ عار هذا الذي يعلو الجباه، وأيُّ خذلان هذا الذي يطوي رايات الآباء؟!
ثُلّةٌ من أبناء أرض سبأ جعلوا من بلادهم مطيَّةً للغادي والبادي، ومرتعًا لكل طامعٍ ومستطيل، تُدار رحاها بأيدي الغير، ويُصرَف أمرها عن إرادة أهلها.
يُؤخذ بناصيتها يمنة ويسرة، وأولو الأمر فيها لا يملكون من أمرهم إلا السمع والطاعة.
فيا لَخَلَف أضاع ما شيده السلف، ويا لَأمّة تستطيل بتاريخها حين تُفاخر، ثم تنكص عن أبسط مقتضياته حين تُبتلى!

وُزِّع أمر اليمن بين الجار والجائر، فريق في الرياض، وفريق في أبو ظبي.
وتفرَّقت الكلمة بين عواصم تتجاذب النفوذ، وتنازعت الأيدي جسد البلاد، حتى غدا بعض أبنائها بيادقَ تحمل بنادق تُحشى بالخصومة، وتوجَّه نحو إخوتهم.
لا رائحة لليمن في قرارها، ولا نصيب لأبنائه من مآلات حربها، سوى الدم والثكل والخراب، القاتل والمقتول يمني، أما الرابح فيجلس وراء الحدود يحصي المكاسب، ويحصي على الآخرين أثمانها.

دُمى، يُقال عنها قادة، يخرجون من قصور المنافي، يُلقون خطبًا عن الوطنية، متشدقين بالسيادة، ويدعون إلى تحرير اليمن.
عجبًا، تحريرها ممن؟
أمِن يمني آثر البقاء في عاصمة وطنه، ولم يبع قراره بدراهم الخليج، ولم يلتمس لنفسه منزلة في بلاط الوصاية، ولم يقف على أبواب العم سام يستجدي صكوك الرضا والغفران؟
أم ممن أبى أن يكون بلاده ساحة مستباحة، وأهلها وقودًا لمشروعات الغير، وثرواتها وأرضها وموانئها أوراقًا في دفاتر المساومة؟

من يستمد أمره من الخارج، ويستقوي بماله وسلاحه، ويخوض معاركه على وفق إرادته، لا يملك أن يجعل من تبعيته برهانًا على استقلاله.
إن كان لكم في صنعاء خصومة، فخاصموها، وإن كان لكم في توريث الحكم إنكار، فأنكروه، وإن رأيتم فكرة تستوجب الرد، فردوها بالحجة والبرهان، وإن رأيتم صاحبها مخطئًا، فواجهوه بما عندكم من حق.
ولكن، بأي حق تجعلون خصومتكم مع ابن وطنكم سُلّمًا إلى وصاية الأجنبي؟ وبأي ميزان ترفضون جماعة لتسلِّموا أمركم إلى الغريب؟

حاربوا ما شئتم من الأفكار، وقاوموا ما شئتم من المشاريع، ولكن لا تحاربوا اليمن في أبنائه، ولا تجعلوا من خلافكم ذريعة لتسليم مصيره إلى سواه.
لا تكونوا يمنيين في الخطب، ثم أتباعًا في القرار، ولا تستدعوا سبأ وحمير وقحطان في مجالس الفخر، ثم تنفضوا أيديكم من ميراثهم حين يُمتحن فيكم معنى الاستقلال.

وأعجب من ذلك أن تُنصَب محاكم الوطنية على من يرفض الوصاية، وأن تُشهَر سيوف التخوين والتكفير في وجه من ينازعكم في الموقف، وكأنَّ الدين والوطنية حوانيت بأياديكم تدخلون فيها من تشاؤون وتخرجون منها من تشاؤون، وتوزعون صكوك النجاة على قدر الولاء.
من ولَّاكم حراسةَ الإيمان؟ ومن نصَّبكم قضاةً على صكوك الوطن؟
من أقنعكم أنّ طاعة الخارج فضيلة، وأنّ رفض وصايته جريمة؟

سنوات عديدة ونفوذ الخارج جاثم على اليمن، فماذا قدم؟
لم يشيِّد عمرانًا، ولم يُقِم دولة، ولم يُرسِ أمنًا.
لم تجنِ البلاد سوى تمزيق الكلمة، وتنازع القوى، وتناسل التشكيلات، واستشراء الحاجة، واستباحة القرار.
ضاقت بالناس سُبُل المعاش، واستحكمت فيهم الحاجة، حتى غدا فقر بعضهم منفذًا إلى إرادته، وعوزه سببًا لتجنيده، ثم يُطلب من هذا المسكين أن يرى في موته شرفًا وعزة لأجل سيادة الوطن، نفس الوطن الذي ضاق عليه، ولم يُعطِه شيئًا كما أعطاه.

اليمن أكبر من الرياض وأبو ظبي، وأبقى من حسابات المتصارعين، وأعرق من أن يُحصر في مجلس أو حكومة أو جماعة أو قائد. سيظل هذا الوطن أحقّ بأبنائه من كل من يتنازعه، وأغلى من مال الأرض.
فعودوا إلى رشدكم قبل أن يستحكم فيكم الضياع، وإلى كرامتكم قبل أن تألفوا المهانة.
عودوا إلى جادة الوطن، فإنَّما المعارك دماء وتجاذب، ثم تسوية في جلسة ساعة، فعلامَ هدر الدم وتصعيد الكلفة والخصام؟