السقوط الإنساني والإعلامي
بقلم. د/ علي محمد الأشموري
إنَّ المتتبّع للزوبعة الإعلامية الرخيصة والهابطة، حول موضوعٍ لا يستحق هذا القدر من التداول، لا يملك إلا أن يتساءل بحسرة: ما الذي جعل المدعو حمد بن فدغم ينجَرُّ وراء هذه التفاهة؟
أحيانًا، حين تغيب الأصالة والشهامة، ويُستبدل بهما الارتهان لما لا يليق بالرجال وأهل المروءة، يقع الإنسان في منزلقاتٍ لا ينفع معها الندم، وقد جرّب الرجل جارة السوء ومآربها، وتجرّع السجن وآلامه، وكان الأولى به أن يكون أبصر الناس بحقيقة ما يُدار ويُراد، فما هكذا تُورَد الإبل.
لكننا، فيما يبدو، في زمنٍ تنكشف فيه الحقائق الخفية، وتتعرّى فيه النفوس عند مواقف الاختبار، ويسقط فيه البعض في زلّاتٍ لا تُغتفر، خاصة حين يكون الثمن هو نكران الجميل، والإساءة إلى مجتمعٍ يمنيٍّ كريم، عرفه التاريخ بالشرف والطهر والغيرة والمروءة.
هذه التسويقات الإعلامية ليست إلا قمّةً في السقوط الإنساني والإعلامي، إذ فتحت للفارغين والمنحطّين بابًا للتعاطي اللاأخلاقي مع المجتمع اليمني، وهو المجتمع الذي ظلّ، رغم كل ما أصابه، من أنقى مجتمعات الأمة وأشرفها، ومن يتابع ما يُكتب في الفضاء الإلكتروني، وما يُثار حول هذا الموضوع؛ فليتذكّر ما كتبه بعض السعوديين يوم وصل المرتزقة إلى نهم، حين قالوا بوقاحة: “لا تنسونا من سبايا صنعاء”، فأين كان هؤلاء من نساء غزة العز؟ وأين غيرتهم هناك؟ إنها المصلحة والحزبية المقيتة حين تجرّد الإنسان من قيمته الإنسانية، وتحوله إلى أداةٍ في يد من يوظّفه.
وأعتقد أن أبناء الجوف ومشايخها الكرام يدركون جيدًا ما يُكاد لهذه المحافظة وما يُدار حولها؛ فالجوف لم تُحرم من خيراتها عبثًا، ولم تُعطَّل عن مستقبلها الاقتصادي والزراعي والنفطي مصادفة، وإنّما ظلّت مطمعًا ومحلّ استهداف؛ محافظةٌ فوق الأرض خصوبةٌ وزراعة، وتحت الأرض خيراتٌ مدفونة، كان يمكن أن تجعلها رافعةً اقتصاديةً كبرى لليمن، لولا العدوان البربري الغاشم وما سبقه من تعطيلٍ وتآمر.
وليس بعيدًا عن ذلك ما يمثله حقل الشيبة في الربع الخالي، بوصفه أحد أهم الحقول التي يستند إليها النظام السعودي، وهو النظام الذي ما فتئ يقف حجر عثرة أمام مستقبل اليمن الميمون منذ نشأته، بوصفه أداةً صنعتها قوى الاستعمار، وحرّكتها وفق ما تقتضيه أدوار الزمان والمكان، ومواقفه من غزة ولبنان واليمن والعراق وإيران خير شاهدٍ على تلك التبعية العمياء، وعلى موقعه الوظيفي في خدمة المشاريع المعادية للأمة.
ومن هنا؛ فإن هذه الزوبعة الإعلامية الرخيصة شاهد جديد على البحث المحموم عمّا يقلق الساحة اليمنية ويثير الفتنة داخلها، وقد تعاطى الناس معها أكثر مما تستحق، وهي في حقيقتها لا تساوي قطرة دم ماعز، فكيف بمن يريد تحويلها إلى ذريعةٍ لسفك الدماء الطاهرة بين أبناء الوطن، ولا سيما أبناء الجوف وما جاورها؟ لقد كفى اليمن ما مضى من الدماء، وكفى آل سعود عبثًا بالنار والفتنة.
ولو كان في هذا الإعلام شيءٌ من المصداقية، لذهب إلى منزل أسرة المرأة المعنية، وتحقق من وجودها بين أهلها، بدل أن يركض وراء الإثارة والتحريض، والجهة الرسمية قد أوضحت أكثر مما يجب عليها، وبيّنت حقيقة الموضوع بصورةٍ جليّة، تقديرًا للمرأة اليمنية المصانة، واحترامًا لمعقل بكيل الأبية، ولقريش همدان، من محمّدي وحسيني، ولأبناء الجوف قاطبة.
كما أن من الواجب التأكيد أن زمن قطع الطرقات، وتعطيل مصالح الناس، وإقلاق السكينة العامة، قد ولّى إلى غير رجعة؛ وإن أمن الناس وطمأنينتهم ليسا محل مساومة، ومن كان له حق أو مظلمة فطريقها واضح عبر العقلاء والجهات المختصة، لا عبر الفوضى وإغلاق الطرق وإشاعة الخوف بين الناس.
وفي الختام، أقول:
ألا خابَ آلُ سعودٍ وقد غدَوا
يُجيرونَ عارَ القولِ في فمِ فَدْغَمِ
أيَهزأُ بالجوفِ الأبيّةِ مَن طغى
وتحتَ ثراها البحرُ في قيدِ مُرغِمِ
ستُدركُهم صنعاءُ يومَ خلاصِها
ويطلعُ فجرُ الحقِّ من ليلِه الأدغَمِ